هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يملك ذوقًا؟
في السنوات القليلة الماضية، انتقل الذكاء الاصطناعي من كونه أداة تجيب عن الأسئلة إلى شريك إبداعي يكتب القصص، ويصمم الصور، ويقترح الأزياء، بل ويختار ألوان الديكور وقوائم الموسيقى. ومع كل خطوة، يطرح سؤال نفسه باستمرار: هل أصبح الذكاء الاصطناعي يمتلك ذوقًا؟
قد تبدو الإجابة نعم. فعندما تطلب من أحد النماذج تصميم غرفة معيشة بطابع ياباني معاصر أو اقتراح إطلالة مستوحاة من أسلوب التسعينيات، غالبًا ما تكون النتيجة منطقية وجذابة بصريًا. بل إن بعض المستخدمين أصبحوا يلجؤون إلى الذكاء الاصطناعي لاختيار الكتب التي يقرؤونها، والأفلام التي يشاهدونها، وحتى الهدايا التي يشترونها.لكن الذوق، كما يفهمه البشر، ليس مجرد القدرة على اختيار ما يبدو جميلًا.
فالذوق يتشكل عبر سنوات من التجارب الشخصية والذكريات والمشاعر والثقافة والبيئة الاجتماعية. إنه مرتبط بما نحب وما نكره، بما عشنا وما فقدنا، وبالقصص التي شكلت نظرتنا إلى العالم. لهذا قد يفضل شخص لوحة تجريدية غامضة بينما يراها آخر بلا معنى، وقد يرى أحدهم في قطعة أثاث قديمة جمالًا لا يراه غيره. أما الذكاء الاصطناعي فلا يمتلك أيًا من ذلك.

Image: made by AI
هو لا يشعر بالحنين إلى الماضي، ولا يتذكر منزل طفولته، ولا يربط لونًا معينًا بذكرى شخصية. ما يفعله في الواقع هو تحليل مليارات الأمثلة التي أنتجها البشر، ثم استنتاج الأنماط المشتركة بينها. بمعنى آخر، لا يملك الذكاء الاصطناعي ذوقًا بالمعنى الإنساني، لكنه يمتلك قدرة استثنائية على محاكاة الذوق.
وربما لهذا السبب تبدو بعض الأعمال التي ينتجها جميلة لكنها متشابهة. فالنموذج يتعلم من المتوسط العام لما أعجب الناس سابقًا، بينما يولد كثير من الإبداع البشري الحقيقي من كسر هذا المتوسط والتمرد عليه.
من يختار اتجاهات الموضة: المصمم أم الخوارزمية؟

Image: made by AI
في الماضي، كانت اتجاهات الموضة تبدأ غالبًا من المصممين، أو من الشارع، أو من شخصيات مؤثرة تمتلك رؤية مختلفة. أما اليوم، فقد دخل لاعب جديد إلى المعادلة: الخوارزمية.
منصات مثل إنستغرام وتيك توك لا تكتفي بعرض ما هو رائج، بل تساهم في صناعته. ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى عالم الموضة، أصبح بالإمكان تحليل ملايين الصور والمنشورات والتفاعلات لاكتشاف الألوان والقصّات والأنماط التي تحظى بأكبر قدر من الاهتمام.
لكن هل يعني ذلك أن الخوارزمية أصبحت أكثر تأثيرًا من المصمم؟
ليس تمامًا. فالمصمم لا يزال صاحب الفكرة الأصلية، لكن الخوارزمية أصبحت تحدد أي الأفكار تحصل على الانتشار. وبينما كان المصممون في السابق يصنعون الذوق العام، أصبحوا اليوم يعملون داخل منظومة تراقب ما يفضله الجمهور وما يتجاهله.
وربما لهذا السبب نشهد أحيانًا اتجاهات تبدو متشابهة بشكل لافت حول العالم، من صيحات الأظافر الطبيعية إلى هوس الألوان المحايدة والجمال الهادئ. فكلما اعتمدت المنصات على البيانات نفسها، أصبحت نتائجها أكثر تقاربًا.
إذا طلبت من عشرة أشخاص تصميم غرفة عبر الذكاء الاصطناعي، لماذا تبدو النتائج متشابهة؟

Image: made by AI
تخيل عشرة أشخاص من دول وخلفيات مختلفة طلبوا من أداة ذكاء اصطناعي تصميم “غرفة معيشة أنيقة وعصرية”. في كثير من الأحيان، ستشترك النتائج في عناصر متشابهة: ألوان محايدة، إضاءة طبيعية، أثاث بسيط، ولمسات من الخشب والنباتات
السبب لا يعود إلى تشابه المستخدمين، بل إلى الطريقة التي يتعلم بها الذكاء الاصطناعي.
فالنموذج لا يبحث عن التصميم الأكثر جرأة أو غرابة، بل عن الأنماط التي اعتُبرت ناجحة عددًا كبيرًا من المرات. إنه يميل بطبيعته إلى ما يمكن وصفه بـ”متوسط الذوق العالمي”، أي الخيارات التي أثبتت شعبيتها لدى أكبر عدد من الناس.
لذلك قد يكون الذكاء الاصطناعي ممتازًا في الوصول إلى نقطة البداية، لكنه لا يزال يحتاج إلى اللمسة الإنسانية التي تحول الجمال المتوقع إلى رؤية خاصة وفريدة.