أين اختفت الألوان في العالم؟
في كل مرة أزور فيها مدينة كبرى حول العالم، يلفتني التناقض الحاد بين الأحياء القديمة والجديدة. الأحياء التاريخية تبدو وكأنها تتنفس بالألوان؛ أبواب زرقاء داكنة، شرفات خضراء، واجهات مطلية بالأصفر والأحمر، وزجاج ملوّن يعكس ضوء الشمس بحيوية دافئة. أما المناطق الحديثة، فتبدو كأنها تنتمي إلى عالم آخر تمامًا: مبانٍ رمادية، واجهات زجاجية باردة، ومساحات حيادية تكاد تخلو من أي لون صريح.
ومع الوقت، بدأت ألاحظ أن الأمر لا يتعلق بالعمارة وحدها. عند مقارنة صور المدن في السبعينيات والتسعينيات بصورها اليوم، يبدو العالم وكأنه فقد تدريجيًا شجاعته اللونية. السيارات أصبحت أكثر حيادًا، الملابس تميل إلى الأبيض والأسود والبيج، وحتى واجهات المتاجر والمقاهي تحولت إلى درجات متقاربة من الرمادي والبني الفاتح. كأن العالم كله يتجه نحو لوحة موحّدة اللون.

Credit: @pinterest
الأمر نفسه يظهر بوضوح في الموضة. باستثناء المجموعات المستوحاة من السبعينيات والتسعينيات، تبدو معظم التصاميم المعاصرة أسيرة الألوان الباهتة والمحايدة، وكأن الأناقة الحديثة أصبحت مرتبطة بالصمت البصري أكثر من الجرأة. كذلك تغيّرت ديكورات الأفلام والمسلسلات والتصميم الداخلي للمنازل؛ اختفت الجدران الملوّنة والزخارف الثقيلة لصالح مساحات شبه فارغة وألوان أحادية تمنح إحساسًا بالهدوء، أو ربما بالبرود.
لكن هل اختفت الألوان فعلًا؟ أم أن العالم الحديث أعاد تعريف معنى “الذوق” و”الأناقة” و”الراحة النفسية”؟ ولماذا تبدو مدن العالم اليوم أكثر تشابهًا من أي وقت مضى؟

Credit: @pinterest
لفهم هذه الظاهرة، تحدثت مع المهندس المعماري والكاتب خالد عبد الجابر، والدكتورة رضوى العشماوي، أستاذة الديكور بكلية الفنون الجميلة جامعة حلوان، حول الأسباب النفسية والمعمارية والثقافية التي دفعت العالم تدريجيًا نحو هذا الطيف الرمادي.
يرى المهندس المعماري والكاتب خالد عبد الجابر أن العالم لم يفقد ألوانه بالصدفة، بل نتيجة تحولات اقتصادية ومعمارية عميقة بدأت بعد الحروب العالمية. ويوضح أن البيوت قديمًا كانت أكثر ارتباطًا بشخصية أصحابها؛ تُبنى بخامات متنوعة مثل الحجر والخشب والزجاج الملون والفسيفساء، كما كانت علاقتها بالطبيعة جزءًا أساسيًا من تصميمها، سواء عبر الحدائق الداخلية أو النوافير أو حتى توزيع الضوء والظل داخل المكان.
لكن بعد الدمار الهائل الذي شهدته أوروبا عقب الحربين العالميتين، ظهرت الحاجة إلى بناء مساكن سريعة ورخيصة تستوعب ملايين المتضررين. هنا بدأ التحول الكبير الذي قاده معماريون مثل لوكوربوزييه وميس فان دير روه، حيث أصبحت الوظيفة والسرعة والاقتصاد أهم من الهوية والزخرفة. انتشرت شعارات مثل “الأقل هو الأكثر”، واعتُبرت الزخارف نوعًا من “الجريمة البصرية”، بينما تحوّل المنزل تدريجيًا إلى “آلة للسكن” لا مساحة شخصية تحمل روح أصحابها.
ويشير عبد الجابر إلى أن هذا النموذج المعماري انسجم لاحقًا مع صعود الرأسمالية والمطورين العقاريين، فظهرت المدن الحديثة والكومباوندات بوصفها نسخًا متكررة من الفكرة نفسها؛ مبانٍ متشابهة، واجهات زجاجية محايدة، وألوان محدودة يسهل تسويقها وإعادة إنتاجها. ومع الوقت، فقدت البيوت خصوصيتها وهويتها البصرية، وأصبح العالم أكثر تشابهًا من أي وقت مضى.
ويضيف أن العالم العربي استورد هذه النماذج الغربية أحيانًا بشكل أعمى، حتى في البيئات التي لا تناسبها. فمدن حارة مثل القاهرة أو الرياض أو أبوظبي امتلأت بالواجهات الزجاجية الباردة المستوحاة من أوروبا، رغم اختلاف المناخ والثقافة وطبيعة الحياة اليومية. كما أصبحت المنازل أصغر وأكثر حيادية لتناسب إيقاع الحياة السريع، وتحولت فكرة البيت من مساحة لصناعة الذكريات إلى مكان عملي مؤقت.
من جانب آخر، ترى الدكتورة رضوى العشماوي، أستاذة هندسة الديكور بكلية الفنون الجميلة جامعة حلوان، أن اختفاء الألوان مرتبط أيضًا بتحول نفسي وبصري عالمي. فخلال الثمانينيات والتسعينيات، كانت الألوان الصارخة والمشبعة جزءًا طبيعيًا من الموضة والسينما والديكور، لأن إيقاع الحياة نفسه كان أكثر هدوءًا وتفاؤلًا، وكانت هناك رغبة عامة في البهجة والانطلاق.

Credit: @pinterest
أما اليوم، ومع هيمنة الشاشات ومنصات المحتوى السريع مثل تيك توك وإنستجرام، أصبح الإنسان يعيش داخل حالة مستمرة من “الازدحام البصري”. هذا التدفق الهائل للصور والإعلانات والمحتوى خلق حاجة نفسية معاكسة؛ الحاجة إلى “الصمت البصري”. ومن هنا، بدأ الميل العالمي نحو المساحات الفارغة، والألوان المحايدة، والتصميمات البسيطة التي تمنح شعورًا بالراحة والهدوء.
وتوضح العشماوي أن هذا التغير انعكس بوضوح على السينما والدراما أيضًا. فبدلًا من الألوان الزاهية التي ميّزت أفلام التسعينيات، أصبحت الأعمال الحديثة تميل إلى الدرجات الباردة والباهتة، واستخدام أنظمة لونية أحادية للتعبير عن الجدية أو الغموض أو “الواقعية النفسية”. حتى أن كثيرًا من أبناء الجيل الجديد باتوا يرون ألوان أفلام التسعينيات مبالغًا فيها أو غير واقعية.
كما لعبت منصات مثل إنستجرام وبنترست دورًا كبيرًا في تعميم أنماط بعينها، خصوصًا التصميم الإسكندنافي والياباني، اللذين يعتمدان على البساطة والخامات الطبيعية والألوان الهادئة. ومع الوقت، تحولت هذه الأنماط إلى معيار عالمي للأناقة والحداثة، لدرجة أن المقاهي والمتاجر والمنازل في مدن مختلفة حول العالم بدأت تبدو وكأنها نسخة من المكان نفسه.
لكن المفارقة، بحسب العشماوي، أن هذا السعي وراء “المينيماليزم” خلق نوعًا جديدًا من التشابه وفقدان الهوية. الكنبة البيج نفسها، الجدران البيضاء نفسها، والأثاث الخشبي نفسه يتكرر في كل مكان. لذلك بدأ يظهر اتجاه معاكس يحاول استعادة الخصوصية البصرية عبر العودة إلى التراث المحلي، واستلهام عناصر من الثقافات المختلفة لإعادة الألوان والهوية إلى التصميم من جديد.

Credit: @pinterest
ربما لهذا السبب تبدو صور السبعينيات والتسعينيات دافئة إلى هذا الحد؛ لأنها لا تذكّرنا فقط بألوان أكثر جرأة، بل بعالم كان يملك شجاعة أكبر في التعبير عن نفسه. عالم لم يكن يخشى الأحمر الفاقع، أو الكنبات المزهرة، أو الواجهات الزرقاء، ولم يكن يعتبر الاختلاف البصري خطأ يجب تهذيبه.
أما اليوم، فرغم أن العالم يبدو أكثر أناقة وتنظيمًا من أي وقت مضى، فإنه يبدو أيضًا أكثر تشابهًا. الواجهات الرمادية نفسها، والأثاث البيج نفسه، والمقاهي التي تبدو كأنها نُسخت من الصورة ذاتها في كل مدينة حول العالم.
لذلك ربما لا يتعلق السؤال الحقيقي بالألوان وحدها، بل بما إذا كانت الحداثة دفعتنا تدريجيًا نحو الراحة البصرية… أم نحو الخوف من الاختلاف نفسه.