A7 Magazine

    • جوزيبي بينوني في الدوحة: أشجار تتنفّس داخل وردة الصحراء

      جوزيبي بينوني في الدوحة: أشجار تتنفّس داخل وردة الصحراء

      • 23 October 2026
      • بقلم Norah Nagi
        المقال مكتوب باللغة العربية
    • في معرض «التدفّق الداخلي للحياة» بمتحف قطر الوطني، تلتقي أوراق الغار وبصمة الإصبع وأشجار البرونز بعمارة جان نوفيل المستوحاة من وردة الصحراء. ثلاث محطات تمتد إلى ميناء الدوحة القديم، وتفتح سؤالًا عن الطريقة التي يتغيّر بها فهمنا للطبيعة حين تدخل المتحف.

  • جوزيبي بينوني في الدوحة: أشجار تتنفّس داخل وردة الصحراء

    Image: Jean Nouvel

 

 

أفكر أحيانًا في مقدار ما يحدث داخل الشجرة من دون أن نراه. يصل الماء إلى أعلى، وتتسع الحلقات، وتتغير علاقة الأغصان بالضوء. ما يبدو ثابتًا من بعيد يحمل حركة مستمرة. ربما لهذا تجذبني أعمال جوزيبي بينوني؛ فهي تدفعني إلى النظر إلى المادة بوصفها شيئًا يحتفظ بأثر ما مرّ فيه.

 

في الدوحة، تكتسب هذه الفكرة سياقًا خاصًا. يفتتح متحف قطر الوطني في ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦ معرض “التدفّق الداخلي للحياة (The Inner Flow of Life)”، الذي يتتبّع أعمال الفنان الإيطالي منذ عام ١٩٦٩ حتى اليوم. ينظّمه المتحف بالشراكة مع استوديو بينوني، ويقيّمه هانس أولريش أوبريست وعيسى الشيراوي، موزّعًا الأعمال بين البراحة والقصر القديم، مع عمل فني عام في ميناء الدوحة القديم.

 

يشغلني ما سيحدث لهذه الأعمال في مكان تستمد عمارته صورتها من الصحراء. كيف تُقرأ أوراق الغار حين تصبح جزءًا من فضاء متحفي في الدوحة؟ وما الذي تضيفه مياه الميناء إلى أشجار تحمل حجارة نهرية؟ تبدأ جاذبية المعرض، بالنسبة إليّ، من هذه المسافة بين المواد والمكان الذي يستقبلها.

 

 

متحف ينطلق بدوره من الطبيعة

 

قبل الوصول إلى أعمال بينوني، هناك مبنى جان نوفيل. استلهم المعماري متحف قطر الوطني من وردة الصحراء، وهي تكوين بلوري يتشكل في البيئة الصحراوية. تحوّل هذا الشكل إلى أقراص متداخلة، ضمن مبنى اكتمل عام ٢٠١٩ حول قصر الشيخ عبد الله بن جاسم آل ثاني، الذي خضع للترميم والحفظ.

 

 

 

Image: Jean Nouvel

 

 

 

 

تستوقفني كلمة «وردة» هنا؛ فالاسم يستدعي نباتًا، بينما يشير إلى تكوين معدني. حتى قبل دخول المعرض، نجد أنفسنا أمام شكل طبيعي انتقل إلى مادة أخرى ومقياس آخر. ويتردد هذا الانتقال في عمل بينوني، حيث يمكن للشجرة أن تصبح برونزًا، وللبصمة أن تتسع على جدار.

 

وتمنح البراحة والقصر القديم العرض أكثر من إيقاع مكاني. فالمعرض يمتد بين العمارة المعاصرة والبناء التاريخي، وتُقام في البراحة خمسة أجنحة صُمّمت خصيصًا له، يرتبط كل منها بمادة أساسية في ممارسة الفنان. وقد أوضح القيّمان أن العرض صُمّم ليدخل في حوار مع عمارة نوفيل.

 

 

أن تتنفّس الظل: حين تدخل الرائحة في العمل

 

أبدأ من Respirare l’ombra، أو «أن تتنفّس الظل»، أحد الأعمال المعلنة في المعرض. يستخدم بينوني أوراق الغار داخل شبك معدني، مع البرونز وورق الذهب في نسخة العمل المؤرخة بعام ٢٠٠٠، التي تعرضها الصفحة الرسمية للمتحف ضمن صورة توثيقية من تقديم سابق في لندن.

 

ما يجذبني هنا هو أن الورقة تحتفظ بقدرتها على الوصول إلينا عبر الرائحة، بعد أن أصبحت جزءًا من تركيب فني. يصف متحف كاستيلو دي ريفولي هذه العلاقة بين رائحة الأوراق وفكرة التنفّس بوصفها وسيلة لتشكيل الإحساس بالفضاء. يصبح الهواء جزءًا مما نستقبله من العمل، وتدخل أجسادنا في التجربة عبر فعل لا نتوقف عادة للتفكير فيه.

 

 

 

Image: George Darrell. Courtesy of Giuseppe Penone and Serpentine

 

 

 

 

 

في الدوحة، يفتح عنوان العمل علاقة أخرى بالظل. يصف نوفيل الحماية من الشمس بأنها أحد مقاصد تصميم المتحف. وبين الظل الذي تصنعه العمارة والظل الذي يقترح بينوني تنفّسه، أجد مساحة لقراءة ما تفعله البيئة بالجسد: كيف تغيّر سرعته، وانتباهه، وإحساسه بالراحة.

 

لا أريد اختزال اللقاء في مقابلة سهلة بين خضرة أوروبية وصحراء خليجية. فحديقة المتحف نفسها مخصّصة للتعريف بالنباتات المحلية وعلاقتها بالثقافة القطرية. الأهم هو اختلاف أشكال الحياة وشروطها، وما يمكن أن تضيفه أوراق الغار إلى انتباهنا للنباتات الموجودة حولنا أصلًا.

 

 

الانتشار: من إصبع واحد إلى جدار

 

في Propagazione، أو «الانتشار»، تتسع بصمة إصبع لتصبح رسمًا جداريًا كبيرًا. يدرج الإعلان عن معرض الدوحة العمل ضمن أبرز معروضاته، إلى جانب Propagazione di Sèvres.
أحب هذا التفاوت بين المصدر والنتيجة: مساحة صغيرة من الجلد، تكاد لا تلفت النظر في الحياة اليومية، تمنح الجدار نظامه. ما نستخدمه لإثبات هوية فرد يصبح شكلًا يمكن للعين أن تتبعه على مقياس معماري.

 

 

Images: Portrait of Giuseppe Penone, © Archivio Penone

 

 

 

 

 

تجعلني الفكرة أعيد النظر في الخطوط التي نعدّها عادية. تحمل أطراف أصابعنا تضاريس دقيقة، لكننا نمررها على الأشياء من دون أن نرى ما تتركه. حين تتسع البصمة، تصبح اللمسة قابلة للنظر الطويل.

 

وبجوار عمارة بدأت من تكوين بلوري صغير، يكتسب هذا التكبير معنى إضافيًا. في الحالتين، يقود تفصيل طبيعي إلى فضاء أكبر من الجسد. ويظل اختلافهما مهمًا: المبنى يستقبلنا داخله، بينما يعيد الرسم أثر الجسد إلى السطح الذي نواجهه.

 

 

أفكار من حجر: الأشجار تصل إلى الميناء

 

يمتد المعرض خارج المتحف عبر Idee di Pietra، أو «أفكار من حجر»، في ميناء الدوحة القديم. وبحسب الإعلان، يتكوّن العمل هناك من شجرتين برونزيتين ضخمتين تحملان حجارة نهرية.

 

 

 

Image: Giuseppe Penone

 

 

 

 

في هذه السلسلة، تحمل الأغصان حجارة تبدو كتلتها ثقيلة على تفرعات الشجرة. وقد قدّم بينوني أعمالًا منها في مواقع أخرى، بينها ماديسون سكوير بارك في نيويورك، حيث وُصفت العلاقة بين نمو الشجرة والجاذبية بأنها من أسئلة العمل الأساسية. تختلف مكونات كل عرض، لكن التوتر بين الصعود والوزن يبقى مدخلًا لقراءتها.

 

ما يهمني في موقع الدوحة هو انتقال الشجرة إلى أفق الميناء. يضعها المكان في علاقة مع الماء والحركة والعبور، بينما تحمل هي حجارة ارتبط شكلها بمجرى ماء آخر. يجتمع زمن نمو الشجرة وزمن تشكّل الحجر في تركيب يبدو ساكنًا، لكنه يجعل العين منشغلة بما يحمله وما يقاومه.

 

والبرونز يضيف التباسه: نرى هيئة كائن ينمو في مادة تثبّت هذه الهيئة. يمكن أن تبدو الشجرة مألوفة للحظة، ثم يكشف الحجر المحمول في أعلاها عن منطق مختلف. تلك اللحظة بين التعرّف والاستغراب هي ما أريد البقاء معه.

 

 

ما الذي يحمله الجسد إلى المتحف؟

 

بين أوراق نتنفّس رائحتها، وبصمة تتسع، وأغصان تحمل الحجر، يعيد بينوني أفعالًا صغيرة إلى مركز النظر: التنفّس واللمس وحمل الوزن. وفي متحف يستمد شكله من تكوين صحراوي، تصبح العلاقة بين الجسد والنبات والمعدن والعمارة أكثر تشابكًا.

 

أكثر ما يجذبني في هذه الأعمال أنها تجعل الحياة قابلة للملاحظة في أشياء اعتدنا النظر إليها بوصفها ساكنة. لذلك أجد سؤال المعرض في الدوحة متصلًا بما يمكن أن يتغير في انتباهنا بعده. أن نخرج فنلاحظ ظلًا على الأرض، أو أثر إصبع على سطح، أو غصنًا يغيّر اتجاهه بحثًا عن الضوء؛ أشياء كانت موجودة قبل أن ندخل، وصارت تستحق وقتًا أطول للنظر.