A7 Magazine

    • عودة المشربية: ماذا يحدث خلف الواجهة؟

      عودة المشربية: ماذا يحدث خلف الواجهة؟

      • 20 October 2026
      • بقلم Norah Nagi
        المقال مكتوب باللغة العربية
    • بين أبوظبي والدوحة ودبي، تعيد ثلاثة مشروعات معمارية النظر في المشربية التقليدية، مستكشفةً كيف يمكن لعنصر ارتبط بالخصوصية والتحكم في المناخ أن يسهم في تشكيل المباني المعاصرة.

  • عودة المشربية: ماذا يحدث خلف الواجهة؟

    Image: Jean Nouvel

 

 

أكثر ما يستوقفني في الواجهات الزجاجية هو تلك اللحظة التي تُغلق فيها الستائر خلفها. يبدو المبنى مفتوحًا على المدينة، بينما يحجب العاملون داخله أشعة الشمس لتخفيف حدّتها أو تقليل انعكاساتها على شاشاتهم. يطرح ذلك سؤالًا مألوفًا في الخليج، حيث يتعين على العمارة التعامل مع ضوء الشمس القوي ودرجات الحرارة المرتفعة: كيف يحافظ المبنى على صلته بمحيطه، مع حماية من بداخله؟

 

تقدم المشربية إحدى الإجابات. فقد استُخدمت هذه الحواجز الخشبية الدقيقة الصنع تقليديًا في أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لترشيح ضوء الشمس، وتيسير حركة الهواء، وإتاحة النظر إلى الخارج مع الحفاظ على الخصوصية. وكانت أنماطها الهندسية أيضًا تعبيرًا عن المهارة الحرفية، تمنح المباني هوية معمارية مميزة.

 

واليوم، يعيد المعماريون النظر في هذه المبادئ باستخدام مواد وتقنيات مختلفة. ففي أبراج البحر بأبوظبي، تتحرك وحدات التظليل مع الشمس. وفي برج الدوحة، تتفاوت كثافة حاجز ثابت من الألمنيوم بحسب اتجاه الواجهة. أما في متجر Apple بدبي مول، فتوفر أجنحة متحركة الظل، وتفتح المبنى على المدينة. يستند كل مشروع إلى تراث المشربية، وإن تطورت وظيفتها تبعًا للمساحات التي تخدمها.

 

 

أبراج البحر: واجهة تتغيّر على مدار اليوم

 

 

 

 

Images: AHR

 

 

 

 

 

في أبراج البحر بأبوظبي، المكتملة عام 2013، تتحول المشربية إلى طبقة خارجية قابلة للتكيّف. صمّم البرجين الفريق المعماري المرتبط اليوم بمكتب AHR، بالتعاون مع أروب، وتغطي واجهاتهما الشرقية والجنوبية والغربية 2,098 وحدة تظليل متحركة.

 

تفتح الوحدات وتنطوي استجابةً لحركة الشمس، لتشكّل واجهة تتبدل على مدار اليوم. ومن الخارج، تستدعي الأشكال الهندسية المتكررة الأنماط الإسلامية التقليدية. أما في الداخل، فتؤدي حركتها وظيفة عملية، إذ تعترض أشعة الشمس قبل وصولها إلى الزجاج.

 

تكمن أهمية التصميم معماريًا في العلاقة بين الحاجز والمكاتب خلفه. فمن خلال تقليل الوهج والتعرض للشمس، تسمح الطبقة الخارجية بدخول ضوء النهار الطبيعي، مع الحفاظ على إطلالات المدينة المحيطة. وتقدم بذلك بديلًا للزجاج شديد التلوين أو الستائر المغلقة باستمرار.

 

وبحسب AHR، يمكن للنظام خفض الكسب الحراري الشمسي بنسبة تصل إلى 50%. ويشير هذا الرقم إلى تقليل الحرارة الداخلة بفعل التعرض للشمس، وليس إلى انخفاض مماثل في إجمالي استهلاك المبنى للطاقة.

 

ويطرح التصميم أيضًا سؤالًا عن استمراريته. فالواجهة المتحركة تعتمد على آليات يجب أن تواصل العمل طوال عمر المبنى، ما يجعل أداءها البيئي مرتبطًا بالصيانة بقدر ارتباطه بالتصميم المعماري الأصلي.

 

وما يمنح أبراج البحر اهتمامًا خاصًا هو ترجمة عنصر مرتبط بالعمارة الإقليمية التقليدية إلى نظام يستجيب للظروف المحيطة. تظل لغته الهندسية مألوفة، بينما ينتمي أسلوب تنفيذه إلى زمن مختلف تمامًا.

 

 

برج الدوحة: عمارة النقش

 

 

 

Image: Jean Nouvel

 

 

 

 

 

في الدوحة، تعامل جان نوفيل مع التحدي نفسه من دون أجزاء متحركة. اكتمل برج الدوحة عام 2012، ويحيط به حاجز من الألمنيوم مؤلف من عناصر هندسية بأربعة مقاييس مختلفة. ومن بعيد، تبدو الواجهة كنسيج متصل من الزخارف. وعند الاقتراب، تكشف طبقاتها المتراكبة عن كثافات متفاوتة تستجيب لموقع الشمس.

 

تبلغ نسبة الحجب في الشبكة 25% باتجاه الشمال، و40% باتجاه الجنوب، و60% باتجاه الشرق والغرب. وتوفر هذه الاختلافات مستويات متفاوتة من الحماية الشمسية، مع الحفاظ على الرؤية إلى الخارج. والنتيجة مبنى يرتبط مظهره ارتباطًا وثيقًا بوظيفته البيئية. فالنقش جزء من هويته المعمارية، بينما يستجيب توزيعه لاحتياجات عملية.

 

 

 

Image: Jean Nouvel

 

 

 

 

وخلف حاجز الألمنيوم، توجد واجهة زجاجية عاكسة قليلًا، مع ستائر داخلية لفّافة تتيح مزيدًا من التحكم عند الحاجة. وبدل الاعتماد على سطح واحد، يستخدم المبنى طبقات متعددة لتنظيم دخول أشعة الشمس. ويحمل حجم هذا التوظيف للمشربية جانبًا آخر مثيرًا للاهتمام. فقد كانت المشربية التقليدية تُصادَف غالبًا على مستوى نافذة منفردة، تصل داخل المنزل بالشارع خارجه. أما في برج الدوحة، فيمتد المبدأ نفسه ليحيط بناطحة سحاب كاملة.

 

يصبح الحاجز جزءًا من أفق المدينة، ويُظهر لغة معمارية تقليدية على نطاق كان يصعب تخيله في الماضي. ومع ذلك، تظل وظيفته متصلةً بانشغال مألوف: ضبط العلاقة بين المساحة الداخلية والضوء الطبيعي والبيئة المحيطة.

 

 

Apple دبي مول: الظل يصنع مكانًا للجلوس

 

 

 

 

Image: Nigel Young

 

 

 

 

 

في متجر Apple بدبي مول، نقل مكتب فوستر وشركاه المشربية إلى سياق مختلف. افتُتح المتجر عام 2017، ويطل على نافورة دبي وبرج خليفة. وتتمثل أبرز سماته المعمارية في مجموعة من 18 جناحًا شمسيًا متحركًا، مصنوعة من قضبان البوليمر المقوّى بألياف الكربون.

 

تظلّل الأجنحة شرفة المبنى الخارجية نهارًا، ثم تنفتح مساءً باتجاه الواجهة المائية، لتمنح الزوار رؤية متصلة للنافورة. واستُلهمت حركتها من صقر يبسط جناحيه، لتضيف مرجعًا من المنطقة إلى المبادئ الهندسية لحواجز التظليل التقليدية. ويستند ترتيب القضبان إلى دراسات لزوايا الشمس، مع زيادة كثافتها في المواضع الأكثر تعرضًا للأشعة. ويصنع الضوء المار عبر الطبقات أنماطًا متغيرة من الظلال داخل المتجر، بينما يحتفظ الزوار بإمكانية النظر إلى الخارج.

 

 

 

Image: Nigel Young

 

 

 

 

 

تتخذ المشربية هنا دورًا أكثر اتصالًا بالحياة العامة. فقد ارتبط استخدامها تاريخيًا بالخصوصية والفصل بين داخل المنزل والشارع العام. أما في Apple دبي مول، فينتقل التركيز إلى توفير مساحة مريحة يجتمع فيها الناس. وتصبح الشرفة، بمقاعدها وإطلالاتها على وسط مدينة دبي، جزءًا من تجربة المبنى. ويسهم الحاجز في ذلك بتوفير الظل نهارًا وفتح المساحة مساءً. كما تعتمد فعاليته على عناصر معمارية أخرى، منها بروز السقف والزجاج. فالأجنحة جزء من نهج أوسع للتحكم في التعرض للشمس وتحقيق الراحة.

 

وما يظل متسقًا مع المشربية التقليدية هو إدراك أن الحاجز يستطيع أداء دور يتجاوز تغطية فتحة؛ إذ يمكنه تحديد كيفية اختبار الناس للمساحة المحيطة به.

 

 

ما وراء الواجهة

 

تقدم هذه المشروعات الثلاثة مقاربات مختلفة لتحدٍّ معماري مألوف. يستجيب أحدها للشمس ميكانيكيًا، ويستخدم الآخر كثافة نقش ثابت، بينما يخلق الثالث مساحة مظللة تنفتح على المدينة. وتطرح أيضًا أسئلة حول كيفية انتقال التراث المعماري إلى التصميم المعاصر.

 

فالمشربية لم تكن يومًا عنصرًا زخرفيًا فحسب. كانت علاقتها بالضوء وحركة الهواء والخصوصية والشارع جزءًا من استجابة المباني لبيئتها. ولا تحافظ التفسيرات المعاصرة بالضرورة على جميع هذه الوظائف، خصوصًا مع انتقال الحواجز المنزلية إلى المكاتب والأبراج والمساحات التجارية.

 

ولهذا، يستحق الفرق بين الاستلهام المعماري والأداء العملي التأمل. فقد تستدعي واجهة منقوشة مظهر المشربية، لكن إسهامها يتوقف على كيفية تكاملها مع الزجاج وأنظمة التهوية والتبريد، وعلى جودة أدائها بعد إشغال المبنى.

 

في أبراج البحر وبرج الدوحة ومتجر Apple بدبي مول، أُعيد التفكير في الحاجز التقليدي وفق متطلبات مساحات مختلفة. وما يجمعها هو مقاربة للعمارة يؤثر فيها السطح الخارجي في التجربة الداخلية.

 

وربما تكون الطريقة الأجدى لفهم عودة المشربية هي النظر إلى ما يتجاوز النقش نفسه: ضوء النهار الداخل إلى مكتب، أو الإطلالة عبر نافذة، أو الظل الذي يجعل استخدام شرفة خارجية أكثر راحة.