A7 Magazine

    • لوحة محمود سعيد للأميرة فادية تصل إلى أبوظبي

      لوحة محمود سعيد للأميرة فادية تصل إلى أبوظبي

      • 22 October 2026
      • بقلم Dyana Farhat
        المقال مكتوب باللغة العربية
    • رسم الفنان المصري محمود سعيد لوحة Portrait of Princess Fadia عام 1952، مجسّداً الأميرة فادية، الابنة الصغرى للملك فاروق، قبل أشهر قليلة من الثورة التي دفعت بالعائلة الملكية إلى المنفى. وبعد أكثر من سبعة عقود، تصل اللوحة إلى أبوظبي ضمن أول مزاد للفنون الجميلة تنظّمه دار Christie’s في المدينة.

  • لوحة محمود سعيد للأميرة فادية تصل إلى أبوظبي

    Image: Christies.com

 

 

 

هناك شيء مؤثر في بورتريه تمّ رسمه قبل أن يغير التاريخ كل شيء. في لوحة الفنان المصري محمود سعيد Portrait Of Princess Fadia تظهر فتاة صغيرة في قلب عالم يبدو مثالياً. ينسدل فستانها الوردي في طيات ناعمة وواسعة، وتُزين فيونكة بيضاء كبيرة خصلات شعرها الداكنة، بينما تُضفي أزهار باهتة لمسةً ناعمة على المساحة خلفها. تبدو هادئة، ومبتسمة ابتسامة خفيفة، تعكس شعورها بالراحة. لا شيء في اللوحة يُوحي بأن حياتها ستنقلب رأساً على عقب في غضون أشهر.

 

رسم سعيد هذه اللوحة عام 1952 وتُصوّر الأميرة فادية، الابنة الصغرى للملك فاروق الأول والملكة فريدة، خلال الأشهر الأخيرة من الحكم الملكي. واليوم، تحمل اللوحة دلالة تتجاوز بكثير كونها مجرد بورتريه عائلي. تُعرض اللوحة في أول مزاد مستقل للفنون الجميلة تُقيمه دار كريستيز في أبوظبي من 28 أكتوبر وحتى 1 نوفمبر 2026 في The Abu Dhabi EDITION ، لتجمع بين قصة عائلية، ونقطة تحول في التاريخ المصري، والأسلوب الفني المميز لأحد أهم فناني مصر المعاصرين.

 

لم يكن سعيد فناناً غريباً تمت دعوته لتوثيق بورتريهات العائلة المالكة، بل كان عمّ فادية الأكبر، وخال الملكة فريدة، وقد رسم هذه اللوحة بعد أن أصبح فناناً مرموقاً، إذ ترك عمله كقاضٍ عام 1947 ليتفرغ تماماً للرسم. وقد منحه موقعه في المجتمع الأرستقراطي بالإسكندرية فرصة الاطلاع على العالم الذي صوّره، لكن قدرته على تجاوز المظاهر هي ما جعلت لوحاته آسرة للغاية.

 

في هذه اللوحة، تتجلى تلك الموهبة بوضوح. فهي تُظهر لنا فادية بمظهر أنيق يناسب دورها كأميرة، ومع ذلك تجنب سعيد الجمود الذي غالباً ما يرتبط بالصور الملكية الرسمية. تبدو جلستها طبيعية وعفوية، وتعابير وجهها رقيقة، ويبدو الضوء وكأنه يستقر عليها بلطف بالغ. يبدو القماش الوردي خفيفاً للغاية، بينما تحولت الأزهار التي تظهر إلى جانبها، إلى جزء من اللوحة. ثمة إحساس بالطفولة هنا لا يمكن لأي قدر من المراسم الملكية أن يخفيه تماماً.

 

 

 

Images: Christies.com

 

 

 

 

استندت اللوحة إلى صورة فوتوغرافية التقطها ألبان، والذي كان مصور البلاط الملكي. لكن سعيد لم يكتفِ بنقل صورة فوتوغرافية إلى لوحة، بل خفف من حدة العناصر الرسمية فيها، وعدّل اتجاه الشخصية، واستخدم ضربات فرشاة دقيقة ليمنح فادية حضوراً شخصياً أكثر. الصورة التي التُقطت آنذاك بالأبيض والأسود، أظهرت أميرة بالوقار الذي كان ينبغي أن تبدو عليه، أما اللوحة فأتاحت لنا أن نشعر بشيء من روح الطفلة نفسها.

 

وبالنظر إلى ما حدث لاحقاً، يبدو أسلوب سعيد في تجسيد صورة الفتاة في لوحة بورتريه أكثر شاعرية، ذا دلالة كبيرة. ففي يوليو 1952، أطاحت حركة الضباط الأحرار بالملك فاروق، منهيةً بذلك النظام الملكي. وقد أُجبرت العائلة المالكة على العيش في المنفى، وغادرت فادية مصر مع والدها وشقيقاتها إلى أوروبا. كانت في التاسعة من عمرها فقط. أما اللوحة، التي أهداها سعيد في الأصل إلى الملكة فريدة، فقد آلت في النهاية إلى فادية، وكانت من بين المقتنيات القليلة التي أخذتها معها عند مغادرتها البلاد.

 

رحلة اللوحة هذه أضفت عليها معنىً لم يتوقعه أحد عندما تمّ رسمها، فاليوم لم تعد مجرد بورتريه لفتاة في عمر الطفولة، بل أصبحت رمزاً لنظام ولّى ولمنزل لم تستطع الأميرة العودة إليه، وبتاريخ عائلي تغيّر جذرياً بفعل الأحداث السياسية. ومع ذلك بقيت اللوحة مع العائلة، محافظةً على رابطٍ مباشرٍ استثنائي بين الفنان وشخصية اللوحة والعالم المحيط بهما.

 

سعيد كان قد رسم الملكة فريدة وهي طفلة قبل عقود، ما جعل هذه اللوحة جزءاً من تاريخ فني شخصي يمتد لجيلين. ثمة شيء مؤثر للغاية في هذا الترابط. فاليد نفسها التي رسمت فريدة الصغيرة رسمت ابنتها لاحقاً، قبل أن تتغير مكانة العائلة في الحياة المصرية إلى الأبد.

 

حتى اليوم، مازال سعيد يُعتبر من أهم الفنانين المصريين، وهذه الأهمية تنبع من قدرته على دمج تقاليد الرسم الأوروبية مع بيئته الثقافية، دون تقليد أيٍّ منهما. فطريقته في التعبير عن الضوء واللون والتعبير، أضفت على صورة ملكية دفئاً عذباً ونوعاً من الودّ الذي نكوّنه مع الفتاة من النظرة الأولى. لم تحاول اللوحة تفسير الاضطرابات السياسية التي أعقبت تاريخ رسمها، بل فعلت شيئاً أكثر أهميةً من الناحية التاريخية، حيث حفظت تلك اللحظات الأخيرة التي عاشتها مصر، حين كان المستقبل لا يزال مجهولاً تماماً، للفنان كما للطفلة.

 

وهذا ما يجعل لوحة Portrait Of Princess Fadia آسرة للغاية اليوم. فعندما ننظر إليها، نستعيد في مخيلتنا حياتها الوردية في القصر الملكي، ومن ثمّ تلك اللحظات التي شكلت مفترق طريق في حياتها. نتساءل عمّا شعرت به، وكيف كانت الرحلة إلى المنفى. ما بدأ كبورتريه عائلي أصبح نقطة فاصلة في حياة أمة بأكملها.