قد يعيش فستان طويلًا بعد رحيل صاحبته، بينما تتلاشى المعلومات التي تمنحه قيمته بوصفه وثيقة تاريخية. من صنعه؟ وأين اشترت صاحبته القماش؟ هل ارتدته في حفل زفافها، أم عدّلته ليلائم حياتها بعد انتقالها إلى مدينة أخرى؟ حين تصل قطعة الملابس إلى متحف أو مجموعة خاصة، قد ترافقها هذه التفاصيل، وقد تصل أيضًا من دون اسم.

Image: Thread Memory – June 2025 – Grant Anderson
حين أنظر إلى قطعة ملابس قديمة، أجد نفسي أفكر في المسافة الفاصلة بين ما أستطيع رؤيته وما يمكنني معرفته عنها. التطريز واضح أمام عيني، لكن اسم المرأة التي أمضت ساعات في حياكته قد يكون غائبًا. نعرف تاريخ المجموعة التي تنتمي إليها القطعة، بينما يصعب العثور على آثار الخياط أو المطرّزة اللذين شاركا في صنعها.
من هذه الفجوة يبدأ السؤال عن أرشفة الموضة في منطقتنا: من يقرر ما يستحق البقاء؟ وأي حيوات يمكننا استعادتها من خلال ما تبقّى؟
القيّمة: قراءة الثوب خارج حدود الزخرفة
تقدّم رايتشل ديدمان، قيّمة الفن والتصميم الحديث والمعاصر من الشرق الأوسط في متحف فيكتوريا وألبرت، مثالًا على ما يضيفه البحث المتحفي إلى تاريخ الملابس. يمتد عملها على الأزياء الفلسطينية عبر معارض وكتب ومشروعات بحثية تربط القطعة بسياق إنتاجها واستخدامها. وفي معرض «غزل العروق: عين جديدة على التطريز الفلسطيني»، الذي قيّمته للمتحف الفلسطيني عام 2018، جُمعت ثمانون قطعة من الأثواب التاريخية والإكسسوارات، إلى جانب الصور والملصقات والأعمال الفنية والفيديو.

Image: Thread Memory – June 2025 – Grant Anderson
من بين القطع ثوب رُقّع بقماش كيس طحين تابع للأونروا، تبرعت به امرأة لأخرى بعد النكبة. وفي صور بولارويد من لبنان السبعينيات، تظهر نساء يرتدين جمبسوتات وردية مطرّزة. يضع هذان المثالان الملابس داخل تاريخ التهجير والمساعدة والعمل وتغيّر الذوق؛ ويكشفان كيف استمر التطريز عبر أشكال وحيوات مختلفة. وقد أتاح المعرض هذه المادة للجمهور من خلال العرض والبرامج التعليمية والكتالوغ، فيما يظل دليله متاحًا للتنزيل عبر موقع المتحف.

Image: Thread Memory – June 2025 – Grant Anderson
ويمتد الحفظ إلى أسئلة لا تستطيع العين وحدها الإجابة عنها. تشارك ديدمان في مشروع بين فيكتوريا وألبرت والمتحف البريطاني لتحليل أصباغ وألياف الملابس الفلسطينية التاريخية. يهدف البحث إلى تحسين تأريخ القطع وفهرستها، وربط خاماتها بتاريخ الصباغة والنسيج وتجارة الأقمشة، مع مشاركة النتائج مع شركاء في فلسطين لدعم الحفظ. هنا يصبح الأرشيف معرفة قابلة للمراجعة والتوسّع؛ فقد تغيّر عينة صغيرة من الخيط فهمنا لعمر ثوب أو مسار قماشه.
الجامعة الخاصة: حين تفتح خزانة الملابس بابًا عامًا
في الإمارات، بدأ جانب من عمل الباحثة والجامعة ريم المتولي من ملابس كانت ترتديها بنفسها. اشترت ريم أثوابًا وكلّفت بصنع أخرى وتلقّت قطعًا هدايا، قبل أن تدرك أن ما احتفظت به يستحق الدراسة والأرشفة. ساعدتها علاقاتها بالنساء اللاتي عرفتهن منذ طفولتها على تسجيل تفاصيل من حياتهن وملابسهن، في محيط كانت فيه الخصوصية تحدد ما يمكن مشاركته ومع مَن.
أصبحت هذه الخبرة أساسًا لمبادرة «زيّ»، التي تجمع ملابس من أنحاء العالم العربي وتتيح سجلات رقمية عنها. وبحسب التقرير نفسه، كان نحو ثمانمائة سجل من مجموعة تتجاوز ألفي قطعة منشورًا مجانًا على الإنترنت آنذاك، فيما حُفظت القطع في منشأة تخزين قُدّمت دعمًا للمبادرة. تصل المجموعة إلى الجمهور كذلك عبر المعارض والإعارات المتحفية. وهذه أرقام مؤرخة بالتقرير، وليست حصرًا لحجم الأرشيف اليوم.
يمكن رؤية طبيعة هذا العمل في سجل «شمبر» سوري أسود من الكريب، تبرعت به رائدة دعبول في الإمارات عام 2021. يذكر السجل مصدر القطعة ورقمها الأرشيفي ووجودها في التخزين، ويصف تطريزها وخرزها وآثار الاستعمال والإصلاحات المتكررة عند أطرافها. لا يحتاج القارئ إلى دخول المخزن ليرى صورها ويقرأ هذه المعلومات. كما أن الرقع والتآكل يدخلان في وصفها، بما يحتفظ بأثر الاستخدام إلى جانب الحرفة.
تكشف تجربة المتولي أهمية العائلات في بناء الأرشيف: فالقطعة تصل عبر شخص، ومعها قدر من المعرفة يتوقف على ما يتذكره وما يرغب في مشاركته. لذلك يبدأ الحفظ أحيانًا بسؤال يُطرح على صاحبة الثوب في الوقت المناسب، قبل أن تصبح الإجابة تخمينًا.
المصمّم: مَن يرى ما تحتفظ به الدار؟
يعمل أرشيف المصمّم وفق علاقة مختلفة بالماضي. ففي عام 2021، احتفل رامي العلي بمرور عشرين عامًا على تأسيس داره في دبي عبر مشروع أعاد تصوير عشرين إطلالة من أرشيفها، بالتعاون مع منسّقي أزياء حول العالم. شملت الاختيارات قطعًا من مراحل مختلفة، بينها مجموعة ربيع وصيف 2012، وأخرى مستوحاة من ليلة دمشقية من ربيع وصيف 2021.
يؤكد المشروع الاحتفاظ بإطلالات سابقة وإعادة تقديمها بصريًا لجمهور جديد. لكنه يتيح أيضًا ملاحظة حدود ما نعرفه: فالمادة المنشورة عن المشروع لا توضح نظام تخزين الأرشيف، أو مدى احتفاظ الدار بالباترونات وعينات الأقمشة وسجلات التنفيذ، أو شروط دخول الباحثين إليه.
هذه أسئلة تؤثر في نوع التاريخ الذي يمكن كتابته. فالصور المختارة تروي تطور لغة المصمّم، بينما قد تكشف أوراق العمل والتجارب الأولية عن القرارات والتعديلات والأيدي التي صنعتها. إتاحة عشرين إطلالة تمنح الجمهور مدخلًا مهمًا إلى تاريخ الدار، وتترك مجالًا لمعرفة أوسع مما يظهر في صورها.
ما الذي ضاع بالفعل؟
في بيروت، اتخذ سؤال الحفظ شكلًا ماديًا قاسيًا بعد انفجار المرفأ في أغسطس 2020. نجا معظم أرشيف ساندرا منصور بسبب اعتيادها تغليف القطع بالبلاستيك. كما قدر زهير مراد خسارة نحو ثمانين في المائة من أرشيفه. إنها شهادة على نجاة متفاوتة في كارثة واحدة؛ ولا يمكن استعادة القطع المفقودة بمجرد بقاء صورها.
وهناك فقد أبطأ، يصعب إحصاؤه: ثوب يبقى من دون اسم صاحبته، وصورة لا نعرف مَن خاط الملابس الظاهرة فيها، وقطعة تنتقل إلى جيل جديد من دون حكايتها. لذلك لا تكفي معرفة عدد القطع المحفوظة لتقييم الأرشيف. نحتاج أن نسأل عن المعلومات المصاحبة لها، وعن قدرتنا على الوصول إليها، وعن الأصوات التي يتضمنها سجلها.

Image: Thread Memory – June 2025 – Grant Anderson
في عمل القيّمة، والجامعة، والمصمّم، تتضح مسؤوليات متكاملة: دراسة ما بقي، وتوثيق مصدره، وحمايته، وفتح مسارات لرؤيته. وتظل أكثر التفاصيل إلحاحًا أحيانًا أبسطها: أن يُكتب اسم المرأة التي صنعت الثوب، قبل أن يضيع.