ماذا يحدث حين لا تعود الصور التي ورثناها عن الماضي قادرة على رواية القصة كاملة؟ هذا هو السؤال الذي تستكشفه المخرجة الفرنسية أليس ديوب في معرضها الجديد Geste de Consolation ، الذي يجمع بين السينما والتصوير الفوتوغرافي والنحت والشعر والرقص والموسيقى وفنون الأداء، لإعادة النظر في كيفية تصوير النساء السمراوات عبر تاريخ الفن، وفي الطريقة التي تواصل بها هذه الصور تشكيل نظرتنا إلى العالم اليوم.

Image: Courtesy of Miu Miu
جاء المعرض بتكليف من Miu Miu، في إطار شراكة دار الأزياء مع البرنامج العام لمعرض Art Basel Paris. وقد فُتحت أبوابه أمام الجمهور في 21 أكتوبر في قصر Palais d’Iéna في باريس، وهو مبنى يستضيف أيضاً عروض الأزياء الخاصة بالدار. ويستمر المعرض حتى 25 أكتوبر 2026، مع دخول مجاني. وبالنسبة إلى ديوب، التي تناولت أفلامها قضايا الهوية والهجرة والاستعمار، تمثل هذه التجربة أولى خطواتها في مجال إعداد المعارض، وإن ظل المشروع وثيق الصلة بعملها خلف الكاميرا.
وشهد حفل العشاء الافتتاحي حضور عدد من الفنانين والشخصيات الثقافية من العالم العربي، من بينهم الفنانة القطرية الأميركية صوفيا الماريا، والفنانة المغربية مريم بناني، والشيخة المياسة بنت حمد بن خليفة آل ثاني، رئيسة مجلس أمناء متاحف قطر. وقد تناولت كل من الماريا وبناني قضايا الهوية والتمثيل من خلال أعمال تعتمد على الصورة المتحركة، انطلاقاً من تجاربها الثقافية ورؤيتها الفنية الخاصة.

Images: Courtesy of Miu Miu
بدلاً من عرض الأعمال الفنية بالطريقة التقليدية التي تضعها أمام الزوار لمشاهدتها من مسافة، تصوغ ديوب في Geste de Consolation رحلة عبر أربع مساحات مترابطة. وتتوالى التجربة كما لو أنها فيلم، حيث يقود مشهد إلى آخر، وتتشكّل المعاني من خلال تتابع المحطات، لا عبر الشرح المباشر. وهكذا، لا يُدعى الزوار إلى الاكتفاء بمشاهدة الأعمال، بل إلى التفاعل معها والإصغاء إليها، بل والمشاركة في التجربة بأنفسهم في بعض اللحظات.

Image: Courtesy of Miu Miu
تبدأ الرحلة بصورة فوتوغرافية للفنانة الجنوب أفريقية زانيلي موهولي، تليها تركيبة فيديو معروضة على شاشتين، تجمع بين صور أرشيفية ومقتطفات من أفلام أسهمت في تشكيل رؤية ديوب للعالم. بعض هذه الصور صادم، فيما يحمل بعضها الآخر إحساساً بالمواساة والطمأنينة. ويثير وضعها جنباً إلى جنب سؤالاً مقلقاً: ماذا يحدث حين تكون الثقافة البصرية التي أسهمت في تشكيل فهمنا للنساء الالسمراوات هي نفسها التي اختزلتهن في صور نمطية أو قدّمتهن بصورة مشوّهة؟
تردّ ديوب على ذلك بإفساح المجال أمام أصوات أخرى للتعبير عن نفسها. ففي مساحة تحمل عنوان Chambre à soi، أي “غرفة خاصة”، تتوزع غرفة جلوس ومكتبة فوق سجاد زاهي الألوان يحمل نقوشاً للفنانة ماري لي بندولف. وداخل الهيكل الخرساني لقصر Palais d’Iéna، يبدو هذا الركن أشبه ببيت دافئ يرحّب بزائريه ويدعوهم إلى التمهّل والتأمل. أما المكتبة، فتضم كتباً أثّرت في أفكار ديوب ومسيرتها الفكرية، لتشكّل أرشيفاً شخصياً ومساحة يمكن من خلالها تخيّل عالم أكثر تحرراً.

Image: Courtesy of Miu Miu
داخل هذه المساحة، لا يلبث الهدوء أن يفسح المجال لسلسلة من العروض الأدائية. تُقرأ نصوص لعدد من الكاتبات والكتّاب، من بينهم أودري لورد وزورا نيل هيرستون وزادي سميث، فيما يقدّم راقصون معالجة حركية لعمل من إبداع مصممة الرقص الإيفوارية ناديا بوغريه. كذلك تشارك الموسيقية أنجيل بات دافيد وفرقتها Sistazz of the Nitty-Gritty في البرنامج. وهكذا، ينتقل المعرض من التأمل الفردي إلى التجربة الجماعية، داعياً الزوار إلى التفكير ليس فقط فيما يشاهدونه، بل أيضاً في الكيفية التي ينظرون بها إلى ما يرونه.

Image: Courtesy of Miu Miu
تتمحور المحطة الأخيرة حول Sentinel (Mami Wata)، وهي منحوتة برونزية ضخمة للفنانة سيمون لي، يبلغ ارتفاعها نحو خمسة أمتار. ويحيط ثعبان بالشخصية الأنثوية الممدودة التي يستلهمها العمل من مامي واتا، روح الماء القوية في المعتقدات الشعبية لغرب أفريقيا، والتي انتشرت صورتها في أنحاء القارة وبين مجتمعات الشتات الأفريقي، متحولة مع انتقالها من مكان إلى آخر. وباعتبارها شخصية ترتبط بالخلق والتدمير في آن واحد، تقاوم مامي واتا أي محاولة لحصرها في تفسير واحد. وينطبق الأمر نفسه على منحوتة لي، التي تقف في صمت، كما لو أنها تحرس المعرض بأكمله.
ولا يخلو وضع المنحوتة في نهاية المعرض من دلالة. فبعد المرور بالصور والكلمات والأجساد والأصوات، يجد الزوار أنفسهم أمام شخصية لا تفرض عليهم تفسيراً فورياً. وبدلاً من ذلك، تترك لهم حرية التأمل في شكلها والتفكير في دلالاتها، كلّ وفق رؤيته الخاصة.
بالنسبة إلى ديوب، لا تأتي المواساة من محو التاريخ المؤلم للتمييز ضد النساء السمراوات، بل من مواجهة الصور التي خلّفها هذا التاريخ، وكثير منها لا يزال حاضراً في وعينا حتى اليوم، مع إفساح المجال أمام روايات مختلفة لتجد طريقها إلى الظهور. من هنا تنبع فكرة عنوان المعرض، Geste de Consolation، فمجرد التوقف أمام هذه الأعمال وتأملها قد يشكّل بداية لطريقة مختلفة في رؤية النساء السمراوات.