A7 Magazine

    • «استمرارية 26» في مركز الدرعية لفنون المستقبل: أين يبدأ القرار الفني؟

      «استمرارية 26» في مركز الدرعية لفنون المستقبل: أين يبدأ القرار الفني؟

      • 21 October 2026
      • بقلم Norah Nagi
        المقال مكتوب باللغة العربية
    • في مركز الدرعية لفنون المستقبل، تتناول أعمال بدرية السالم ونجود البواردي والثنائي Y7 اللغة والذاكرة والأتمتة، وتكشف القرارات البشرية التي تمنح الأنظمة الرقمية اتجاهها.

  • «استمرارية 26» في مركز الدرعية لفنون المستقبل: أين يبدأ القرار الفني؟

    Image: Diriyah Art Future Instagram

 

 

حين أقرأ أن عملًا فنيًا يستخدم الذكاء الاصطناعي، أريد أن أعرف ما الذي أُسند إليه تحديدًا. هل اختار الموضوع؟ هل صنع الصور؟ ومن قرر أن هذه النتيجة تستحق العرض؟ تهمني هذه التفاصيل لأنها تجعل دور الفنان أكثر وضوحًا، وتتيح قراءة العمل من خلال القرارات التي أنتجته، إلى جانب صورته النهائية. تمتد الأسئلة نفسها إلى أشكال أخرى من فنون الوسائط الجديدة، حيث يمكن للتقنية أن تصبح جزءًا من العملية الإبداعية والعمل الفني معًا.

 

يفتح معرض استمرارية 26CONTINUUM ’26 – في مركز الدرعية لفنون المستقبل مساحة لهذه الأسئلة. يُقام من 3 سبتمبر إلى 7 نوفمبر 2026، ويعرض نتاج 16 فنانًا ناشئًا من دول مختلفة، تطورت أعمالهم خلال برنامج يمتد عامًا بالتعاون مع “لو فرينوا” الاستوديو الوطني للفنون المعاصرة في فرنسا. تتولى إيريني باباديميتريو التقييم الفني، بمشاركة القيّمة المساعدة بشرى الغامدي، فيما عمل المشاركون بإرشاد الفنانين لويس فيليب ديمرز وريك تريويك، اللذين يعرضان أيضًا أعمالًا ضمن المعرض.

 

تتنوع الوسائط بين الصورة المتحركة والصوت والضوء والواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي. وتربط بينها أسئلة عن الذاكرة والزمن والإدراك، والأنظمة التي تنظم التجربة الإنسانية. تقدم ثلاث مشاركات مداخل مختلفة إلى هذه العلاقة: مفردات تاريخية تصبح مادة لتركيب ضوئي، ونظام يختار وفق توقعاته لانتباه الجمهور، وعمل يعيد النظر في القرارات البشرية خلف الأتمتة.

 

 

بدرية السالم: من “كتاب الأنواء” إلى “أسماء الشمس”

 

 

في “أسماء الشمس” Names of the Sun ، تجمع الفنانة والمعمارية الكويتية بدرية السالم 41 اسمًا عربيًا تاريخيًا للشمس، وتنظمها وفق مسارها من الشرق إلى الغرب. يجمع العمل بين الرسم العلمي والأداة الفلكية والتركيب الضوئي، رابطًا اللغة بحركة الشمس وقياس الزمن.

 

كان المرجع الأساسي للبحث “كتاب الأنواء” لابن قتيبة الدينوري، المؤلَّف عام 880م، وهو معجم للمصطلحات الجوية والفلكية، يشمل أسماء الشمس والقمر والنجوم والرياح والأمطار والسحب. وتوضح صفحة المشروع أن هذه المفردات تحمل معلومات مكانية وزمنية وبيئية، يمكن استكشافها من خلال سياق استخدامها وأصولها اللغوية.

 

 

 

 

Images: Badriyah Al-Salem

 

 

 

 

 

جمعت السالم الكلمات بالرجوع إلى المعاجم وكتب الأنواء، ثم قرأت كل مفردة في سياقها لتبني قاعدة بيانات تستند إلى فهمها وتأويلها. بعض المعاني احتاج إلى نصوص تاريخية تشرحه، وبعضها أتاح مساحة للتخيل. تطورت هذه العملية البحثية والحاسوبية خلال دراستها في جامعة كولومبيا، حيث ظهرت النماذج الأولى للعمل، قبل استمراره ضمن تجربتها في الدرعية.

 

تبدأ مساهمة الفنانة بتشكيل المادة التي سيعمل بها النظام: اختيار المصادر، وتأويل الكلمات، وتحديد العلاقات بينها. تحمل البيانات أثر التفسير منذ البداية، ويعيد تنظيمها في تركيب ضوئي وصل الزمن باللغة والملاحظة اليومية للسماء.

 

يمتد العمل من مشروعها البحثي «أطلس مقاوم»، الذي يدرس كيف ترجمت نظم المعرفة العربية السابقة للحداثة البيئة إلى لغة واتجاه وزمن، من خلال النصوص والأدوات الرقمية والمجسّمات. وتصبح الذاكرة ضمن هذه الممارسة معرفة يمكن استخدامها وإعادة تنظيمها في الحاضر.

 

 

Y7 : الانتباه معيارًا للاختيار

 

 

ينطلق الثنائي البريطاني Y7، المؤلف من هانا كوب وديكلان كولكويت، من تكليف مختلف. ففي عملهما «قد لا يعجبك ذلك، لكن هكذا يبدو الأداء الأمثل» – You May Not Like It, But This Is What Peak Performance Looks Like. يتعاملان مع المعرض الجماعي بوصفه إطارًا لإنتاج عمل يُختار وفق معيار كمي: قدرته المتوقعة على جذب الانتباه.

 

وبحسب وصف نشره المركز، يختار نظام ذكاء اصطناعي الفكرة الأكثر جذبًا للانتباه من ألف مقترح، لتنتج عنها «آلية لازاروس: كيف تتحايل خلاياك على الموت» – The Lazarus Mechanism: How Your Cells Cheat Death . مع استبعاد 999 مقترحًا. وتأخذ النتيجة شكل مقال مصوّر بالفيديو يبحث في آليات بقاء الخلايا.

 

 

 

Image: Diriyah Art Future Instagram

 

 

 

 

 

تحدد التجربة هدفًا، ثم تفوّض النظام بالمقارنة بين الأفكار، وصولًا إلى الفيديو المعروض. ولا تحدد المواد المنشورة النموذج المستخدم أو كيفية حساب جاذبية المقترحات، كما لا توضح الأجزاء التي شهدت تدخلًا بشريًا في النص أو الصوت أو الصور أو المونتاج.

 

تتيح عملية الاختيار نقطة انطلاق نقدية. فحين تصبح القدرة على جذب الانتباه معيارًا للإنتاج، تتقدم الأسئلة حول ما يدفع الجمهور إلى التوقف ومواصلة المشاهدة. ويمكن قراءة عنوان الفيديو، بوعده بتفسير كيفية مقاومة الخلايا للموت، ضمن ثقافة تمنح الموضوع قابلية للانتشار قبل اختبار قيمته الفكرية أو الجمالية.

 

يكمن قرار الفنانين في تصميم التجربة: اختيار المعيار، وتحديد نطاق التفويض، وتقديم النتيجة داخل معرض. ويصبح التخلي عن بعض القرارات الإبداعية جزءًا من بناء العمل ومعناه.

 

 

نجود البواردي: الإنسان داخل العملية المؤتمتة

 

تشارك الفنانة السعودية نجود البواردي بعمل «كل هذا اختبار كبير» – This Is All a Big Test ، الذي يتناول العلاقة الإنسانية بالأتمتة. وتعمل البواردي بالتقنيات الغامرة والأنظمة التفاعلية لاستكشاف الهوية والحضور، فيما توجّه اهتمامها هنا إلى الاختيارات البشرية الكامنة في التقنية.

 

ينطلق العمل من أن الأنظمة التي تبدو مستقلة تحمل قرارات سابقة، تمتد من ترتيب مكونات الشريحة الإلكترونية إلى الشيفرة التي تشغّل الواجهة. وما يظهر للمستخدم بوصفه عملية تلقائية هو نتيجة تصميم وتنفيذ بشريين، حتى حين تختفي تلك التفاصيل خلف انتظام التشغيل.

 

 

 

 

Image: Diriyah Art Future Instagram

 

 

 

 

 

وبينما يختبر Y7 ما يحدث حين يُفوَّض النظام بالاختيار، تلفت البواردي الانتباه إلى الشروط التي تجعل هذا التفويض ممكنًا أصلًا. يطرح عملها أسئلة حول المسؤولية: من حدّد المهمة؟ ومن اختار القواعد؟ وأي افتراضات عن الناس والعمل والكفاءة انتقلت إلى الآلة؟

 

تشرح المواد المتاحة فكرة العمل بصورة أوفى من مكوناته التقنية. ولذلك تمثل مقاربته للأتمتة نقطة الانطلاق الأوضح لفهم الأسئلة التي يطرحها.

 

 

أين يبدأ القرار الفني؟

 

تضع هذه الأعمال الثلاثة الفنان في مراحل مختلفة من العملية. لدى السالم، يظهر هذا الدور من خلال قراءة الأرشيف وبناء البيانات التي تنظمها التقنية. ولدى Y7، يشمل تحديد هدف للنظام واختبار نتائج التفويض. أما البواردي، فتجعل القرارات المتراكمة داخل الأتمتة موضوعًا للتأمل في حد ذاتها.

 

تمنح هذه الاختلافات معنى أكثر تحديدًا لفنون الوسائط الجديدة. فاللغة التاريخية، وقواعد الاختيار، والبنى التقنية، كلها تصبح مواد يمكن للفنانين العمل بها. ويساعد فهم أصولها وتنظيمها على قراءة النتيجة، مع إظهار حدود ما يمكن نسبته إلى النظام أو إلى صانعه.

 

وتنبع أهمية البرنامج الذي يقف وراء المعرض أيضًا من ظروف الإنتاج التي يتيحها. فمن خلال التعاون مع «لو فرينوا»، يوفر مركز الدرعية لفنون المستقبل للفنانين الوقت والتجهيزات المهنية وموارد الإنتاج وفرص التبادل بين التخصصات. وتسمح هذه الظروف بتحويل البحث إلى نموذج أولي، واختباره وتعديله قبل وصوله إلى الجمهور.

 

ومن خلال إقامته في الرياض، يسهم المعرض أيضًا في حوار إقليمي يتطور حول دور التقنيات الجديدة في الممارسة الفنية المعاصرة. وتوضح أعمال السالم وY7 والبواردي مدى اختلاف مقاربات الفنانين لهذه الأدوات، سواء بالعودة إلى المعرفة التاريخية، أو مساءلة السعي إلى جذب الانتباه، أو استكشاف البنى الكامنة خلف الأتمتة. وفي كل حالة، تشكل التقنية جزءًا من العمل، لكن فهم القرارات المحيطة بها يظل أساسيًا لفهم الفن.