A7 Magazine

    • في العصر الرقمي: الذوق هو الرفاهية الجديدة

      في العصر الرقمي: الذوق هو الرفاهية الجديدة

      • 25 August 2026
      • بقلم Norah Nagi
        المقال مكتوب باللغة العربية
    • لم يكن الذوق يومًا مسألة شخصية تمامًا. فقد استخدمه الناس طويلًا للتعبير عن الطبقة والتعليم والانتماء الثقافي. لكن المجال الرقمي أظهره أكثر من أي وقت مضى.

  • في العصر الرقمي: الذوق هو الرفاهية الجديدة

    HANS HEDBERG. Pumpkin-shaped sculpture, Biot, France, high-fired faience.

 

 

بدأت القصة بثمرة طماطم.

 

في يونيو 2024، نشرت جيانا روزينا على منصة X صورًا لثمرة طماطم ذات تعرجات غير مألوفة، وكتبت: “انظروا إلى ثمرة الطماطم التي حصلت عليها”. بعد ذلك، أعاد كونور داوني، نشر صور روزينا مع تعليق: “هذه الطماطم تشبه طابع لويفي جدًا بشكل لا يمكنني شرحه”.

 

 

 

Images: homocowboi Instagram, giannarosinaa Instagram

 

 

 

لم تكن ثمرة الطماطم من لويفي، ولم تكن جزءًا من حملة مدروسة. ومع ذلك، فهم عدد كبير من المتابعين المقارنة فورًا. بدت الثمرة منحوتة وغريبة وطبيعية في الوقت نفسه، وكأنها تنتمي بالفعل إلى العالم الذي بناه جوناثان أندرسون داخل الدار الإسبانية.

 

التقط أندرسون اللحظة الرائجة وحولها إلى حقيقة. فظهرت حقيبة Tomato Clutch المصنوعة من جلد النابا الأحمر، والتي تحاكي انحناءات الثمرة وتعرجاتها، مع ساق ذهبية تعمل قفلًا ومقبضًا. وهكذا انتقلت الطماطم من صورة روزينا، مرورًا بمقارنة كونور داوني مع لويفي، إلى منتج فاخر. لكن اللحظة الأهم حدثت قبل صناعة الحقيبة: حين استطاع الإنترنت التعرف إلى لويفي في شيء لم تصنعه لويفي.

 

وعند وضع الطماطم إلى جوار منحوتات الفاكهة الخزفية الضخمة للفنان السويدي هانس هيدبرغ، تبدو أيضًا جزءًا من تقليد بصري أقدم تتحول فيه الأشكال الطبيعية العادية إلى أشياء غريبة ومرغوبة من خلال الحجم والمادة والعين القادرة على رؤية الجانب النحتي فيها. لا يعني هذا أن أعمال هيدبرغ ألهمت حقيبة لويفي مباشرة، لكن التشابه البصري يضع الطماطم الرائجة داخل حوار أوسع بين الطبيعة والفن والتصميم.

 

تختصر هذه الحكاية تحولًا أكبر في معنى المكانة. ففي الثقافة الرقمية، لم يعد امتلاك المنتج الصحيح كافيًا، بل أصبحت القدرة على فهم المرجع والتعرف إلى الجمال قبل الآخرين نوعًا جديدًا من الرفاهية.

 

 

 

Images: loewe Instagram

 

 

 

 

من استعراض الثروة إلى استعراض المعرفة

 

كانت رموز المكانة التقليدية واضحة: شعار معروف، وساعة باهظة، وسيارة فاخرة أو حقيبة يمكن التعرف إلى قيمتها من النظرة الأولى. لم تختفِ هذه الرموز، لكنها فقدت جزءًا من قدرتها على التمييز بعدما أصبحت صورها متاحة للجميع، وأصبح تقليد مظهر الرفاهية أكثر سهولة.

 

في المقابل، ظهرت إشارات أكثر هدوءًا: معرفة المصمم الصاعد قبل انتشاره، أو اختيار قطعة من مجموعة أرشيفية، أو التعرف إلى كرسي صممه اسم لا يعرفه إلا المتخصصون، أو فهم سبب انتماء ثمرة طماطم غريبة الشكل إلى عالم لويفي.

 

هنا لا تأتي المكانة من سعر الشيء وحده، بل من المعرفة المحيطة به. قد يستطيع المال شراء الحقيبة، لكن الذوق يُفترض أنه يفسر لماذا وقع الاختيار عليها.

 

الذوق يتحول إلى ظاهرة عامة

 

لم يكن الذوق يومًا مسألة شخصية تمامًا. فقد استخدمه الناس طويلًا للتعبير عن الطبقة والتعليم والانتماء الثقافي. لكن المجال الرقمي أظهره أكثر من أي وقت مضى.

 

أصبحت حساباتنا ملفات عامة لاختياراتنا: ما نحفظه، ومن نتابعه، وأي معرض نزوره، وأي كتاب نضعه على الطاولة، وما المطعم الذي نعرفه قبل أن يصبح الحجز فيه مستحيلًا. حتى الأشياء التي لا نمتلكها تستطيع المشاركة في بناء صورتنا؛ إذ يكفي أحيانًا أن نتعرف إليها، ونشاركها، ونضعها داخل السياق الصحيح.

 

كما أصبح الذوق قابلًا للقياس. تستطيع أعداد المتابعين والمشاركات وعمليات الحفظ تحويل القدرة على الانتقاء إلى تأثير حقيقي، ثم إلى مهنة. لا يحتاج صانع الذوق الرقمي إلى إنتاج الملابس أو الأثاث أو الفن؛ فقد تكمن قيمته في إخبار الآخرين بما يستحق الاهتمام.

 

وهكذا أصبح الاختيار نفسه نوعًا من المحتوى، وأصبح الشخص القادر على اكتشاف الشيء الصحيح مبكرًا أكثر تأثيرًا من الشخص الذي يكتفي بشرائه بعد انتشاره.

 

هل نملك ذوقًا أم تتذوق الخوارزمية نيابة عنا؟

 

تكمن المفارقة في أن المنصات التي تسمح لنا بعرض فرديتنا تدفع ملايين المستخدمين نحو المراجع نفسها. يتكرر المصباح ذاته في البيوت، والكتاب نفسه في الصور، والمقهى نفسه في أدلة المدن، والقطعة الأرشيفية نفسها بعد أن تعيد إحدى المشاهير اكتشافها. وما يبدو اختيارًا شخصيًا قد يكون في الواقع نتيجة لخوارزمية كررت الصورة حتى أصبحت مألوفة ومرغوبة.

 

ينتج عن ذلك سباق لا ينتهي. فما إن يصبح رمز للذوق معروفًا على نطاق واسع حتى يبدأ في فقدان قدرته على التمييز، فينتقل صناع الذوق إلى شيء أكثر غموضًا. لم تعد القيمة في معرفة ما هو رائج فقط، بل في الوصول إلى المرجع قبل أن يتحول إلى ترند.

 

لكن هذه السرعة تهدد المعنى نفسه الذي تبحث عنه الثقافة الرقمية. فالذوق يحتاج إلى الوقت: مشاهدة متكررة، وفضول، ومعرفة بالتاريخ، وقدرة على بناء روابط بين أشياء تبدو متباعدة. تستطيع الخوارزمية أن تعلمنا كيف يبدو الذوق، من دون أن تمنحنا بالضرورة المعرفة التي أنتجته.

 

ماذا يعني ذلك لعلامات الرفاهية؟

 

لم تنجح اللحظة لأن لويفي استجابت سريعًا لميم رائج فقط، بل لأنها قضت سنوات في بناء لغة تجمع بين الحرفة والفن والفكاهة والأشكال غير المتوقعة. عرف الجمهور هذه اللغة جيدًا إلى درجة أنه استطاع العثور عليها داخل ثمرة طبيعية.

 

بالنسبة إلى دور الرفاهية، تعني صناعة الذوق بناء رؤية تمتد إلى ما يتجاوز المنتج: الفن الذي تتعاون معه، والأماكن التي تختارها، والمواد التي تحتفي بها، والطريقة التي تستجيب بها للثقافة من دون أن تبدو كأنها تطاردها. قد يمنح الترند العلامة لحظة من الانتشار، لكن الذوق يمنحها عالمًا كاملًا.

 

لا يحل الذوق محل المال في منظومة الرفاهية، لكنه يغير الطريقة التي يعمل بها المال بوصفه علامة للمكانة. لم يعد امتلاك الأشياء الباهظة كافيًا عندما تبدو الاختيارات متوقعة أو خالية من الشخصية.

 

الرفاهية الجديدة هي أن تعرف ما يستحق الانتباه، وأن تفهم الإشارة من دون حاجة إلى شرح، وأن تصل إلى الشيء قبل أن تخبرك الخوارزمية بأنه مرغوب. وربما لهذا لم تكن طماطم لويفي مجرد مزحة ناجحة، بل صورة دقيقة للحظة أصبح فيها امتلاك العين أهم، أحيانًا، من امتلاك الشيء.