في عام 1911، لم تكن الرسوم التوضيحية المرسومة يدوياً مجرد مرحلة في عملية التصميم، بل كانت هي الوسيلة التي يتحول من خلالها الفستان إلى عمل فني مستقل عن كونه قطعة ملابس بحد ذاتها. بدأت التطورات التكنولوجية، كالكاميرا، بالظهور، لكن في عالم الموضة، كانت هذه الأداة لا تزال مجرد وسيلة لعرض الملابس في الكتالوغ، لا لبيعها. قرر الناشر الفرنسي لوسيان فوغل اختبار هذا الافتراض، فكلف المصور الأميركي إدوارد ستيتشن بتصوير فساتين بول بواريه لمجلة Art et Décoration. النتيجة كانت صوراً ذات طابع كئيب ومُصممة بعناية، بدت أقرب إلى اللوحات الفنية منها إلى صفحات الكتالوغ.
بحلول ستينيات القرن العشرين، تراجعت مكانة الرسوم التوضيحية لتصبح مجرد لمسة جمالية عابرة في المجلات، وأصبحت الصور الفوتوغرافية لغة الموضة السائدة. لم يكن هناك حينها قسم للتعليقات أو نقاشات على موقع Reddit للاطلاع على ردود الفعل غير المفلترة، ولكن ليس من الصعب تخيل ردود الفعل السلبية التي أعقبت جرأة فوغل في تحويل أداة توثيق اللحظات إلى فن قائم بذاته.
بعد عقود، واجه التصوير الفوتوغرافي تحدياته الخاصة. أطلقت أدوبي برنامج فوتوشوب عام 1990، وتصاعدت المشاعر المناهضة لتعديل الصور خلال السنوات التي تلت تلك الخطوة، واشتهر المصور بيتر ليندبيرغ برفضه التام لتعديل أعماله، بينما ناقشت الهيئات التنظيمية من البرازيل إلى المملكة المتحدة وضع ملصقات تحذيرية على الصور المعدلة. ثم جاءت تقنية الصور المولدة بالحاسوب: Shudu Gram، “عارضة الأزياء الرقمية” التي تصدرت حملات Balmain وFenty Beauty عام 2017، و Lil Miquela، التي ارتدت أزياء Prada بدءاً من عام 2018، أثارتا نفس الشكاوى التي تسمعها العلامات التجارية اليوم، وهي أن الوجه الاصطناعي يقلل من فرص العم للوجه الحقيقي ويستغل التنوع في قوائم الرواتب.
تتطور الأداة باستمرار، لكن النقاش الدائر حولها يبقى على حاله. وفي ما يلي، نستعرض سبع حملات تقدم أحدث نسخة من هذه الأداة، أي الذكاء الاصطناعي، عبر قطاع الأزياء بأكمله، من دور الأزياء الفاخرة إلى متاجر التجزئة واسعة الانتشار.
Gucci: صور بتقنية الذكاء الاصطناعي قبل الظهور الأول لديمنا مع العلامة الإيطالية

Image: Gucci Instagram
لم تكن تلك أول تجربة لـGucci مع الذكاء الاصطناعي. قبل أربعة أيام من عرض ديمنا غفاساليا الأول للدار الإيطالية في 27 فبراير 2026، امتلأت صفحة Gucci على إنستغرام بصور مُولّدة بالذكاء الاصطناعي ومستوحاة من المودبورد “بريمافيرا” الخاصة بالعرض. أظهرت بعض الصور زوجين على دراجة نارية، بأسلوب مستوحى من لعبة GTA/Vice City، مع شعار نيون تحمل اسم Gucci المتوهج في الخلفية. بينما أظهرت صور أخرى امرأة مسنّة ترتدي معطفاً من الفرو ونظارات شمسية كبيرة الحجم بنقشة صدفة السلحفاة، وحزام الدار المميز، وهي تسير في مطعم، وتمرّ بين طاولات يجلس عليها رجال ونساء يرتدون بدلات رسمية، بينما كانت كل الأنظار متجهة نحوها. التعليقات على الصور لم تتضمن أي إشارة إلى طبيعتها، بل كان تصنيف محتوى الذكاء الاصطناعي الخاص بإنستغرام هو ما نبّه المشاهدين إلى أن الصور مُولّدة بالذكاء الاصطناعي، وليس Gucci نفسها. تلا ذلك آلاف التعليقات التي وصفت المحتوى بأنه “هراء ذكاء اصطناعي”، في انتقاد واضح لدار تتجاوز أسعار حقائبها 10 آلاف دولار، لكنها تلجأ إلى ما اعتبره البعض أرخص الأدوات المتاحة لإنتاج محتواها.
يذكرنا ما حدث بمقولة أوسار وايلد الشهيرة: “لا يوجد في العالم ما هو أسوأ من أن يتحدث الناس عنك، سوى ألّا يتحدثوا عنك”. فكل تعليق استهجان ساهم في ذكر اسم Gucci وتحويلها إلى محور الاهتمام قبل أربعة أيام من عرض أزياء كانت الدار بحاجة للترويج له بقوة، تماماً كما ساهمت ردود الفعل السلبية في جعل عارضة الأزياء شودو، المصممة بتقنية CGI، تحقق شهرة واسعة قبل أن تجعلها مطلوبة في سوق العمل. ربما كان هذا الغضب أوضح دليل على نجاح الحملة.
Prada: كائنات مولّدة بالذكاء الاصطناعي من ابتكار الفنان جوردان وولفسون

Image: Prada Website
من أكثر الانتقادات التي تواجهت عرض بريمافيرا هي أن الذكاء الاصطناعي يحلّ محل الفنان. وكان رد Prada: ماذا يحدث عندما يستخدم فنان حقيقي خيالاً بصرياً معقداً؟ فقد كلّفت جوردان وولفسون، المعروف بمنحوتاته المتحركة المثيرة للدهشة قبل وقت طويل من دخول الذكاء الاصطناعي عالم الموضة بالتقاط صور حملتها لربيع وصيف 2026، بعنوان ” I, I, I, I AM… PRADA”. تضمنت الحملة صوراً ومقاطع فيديو لعارضين وممثلين مختلفين، من هانتر شيفر، وكاري موليغان، إلى ليفون هوك، وطيور ذات ريش متلبّد، لتكوّن معاً ما يشبه الفضاء الحركي المشترك. لم تكن هذه الشخصيات من إنتاج الذكاء الاصطناعي بالكامل، فقد لعبت أدوات المؤثرات البصرية دوراً في مرحلة ما بعد الإنتاج. وبفضل عملية إطلاق مدروس، نجحت الصفحة الرئيسية للحملة في إلغاء الخط الفاصل بين استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج الفن وبين استخدامه لمجرد إنتاج المحتوى.
Burberry : الذكاء الاصطناعي يعيد إحياء صورة أرشيفية من عام 1980

Image: Burberry Instagram
استخدمت حملة Burberry لصيف 2025 تقنية الذكاء الاصطناعي لإعادة إحياء صورة للورد ليتشفيلد من عام 1980 بدلاً من إطلاق صور جديدة، وقد أثارت هذه الحملة أقل قدر من الجدل بين الحملات السبع. كان رد الفعل على هذا الاستخدام للذكاء الاصطناعي بسيطاً كبساطة قيام الأحفاد برقمنة فيلم عائلي قديم. إنه تكريم للماضي بدلاً من استبداله.
Valentino Garavani : الذكاء الاصطناعي يعيد صياغة عرض أزياء بلمسة جديدة

Image: Valentino Youtube
في أول مجموعة أحذية رياضية لفالنتينو غارافاني، بالتعاون مع شركة Vans، استغنى الفريق عن استخدام تقنية الذكاء الاصطناعي في حمام حقيقي، واستعان بدلاً من ذلك بمواد من عرض أزياء خريف/شتاء 2025-2026، Le Méta-Théâtre Des Intimités، الذي قُدّم في أسبوع الموضة في باريس في مارس 2025. لم تكن هذه آخر تجربة للدار مع الذكاء الاصطناعي. فبعد ثلاثة أشهر، في ديسمبر 2025، أصدرت الدار فيديو بتقنية الذكاء الاصطناعي لحقيبة DeVain، تدور أحداثه تحت الماء. ربما بالغ الفيديو في السريالية، حيث تكرر ظهور قناديل البحر بشكل مبالغ فيه بمجرد لمسها من قبل الشخصية الظاهرة في الفيديو. تلك التجربة تجعلنا نطرح نتساءل بجدية أين ينجح الذكاء الاصطناعي في تعزيز الإبداع الفني، وأين يجعل العمل غارقاً في المبالغة.
Mango: الطريقة الأقل تكلفة للتصوير في مراكش هي باستخدام الذكاء الاصطناعي

Image: Mango Website
في إطار مبادرة Earn ضمن خطتها الاستراتيجية للأعوام 2024-2026، استعانت Mango بالذكاء الاصطناعي لإطلاق مجموعة Sunset Dream محدودة الإصدار من خط أزياء الشباب. تم تصوير قطع الملابس الحقيقية، ثم وُضعت باستخدام نموذج توليدي على عارضات أزياء افتراضيات في مدينة مراكش القديمة، وتم طرحها في 95 سوقاً. بدت العملية كجلسة تصوير عادية، بتكلفة زهيدة مقارنةً بتكلفة العمل مع عارضات أزياء حقيقيات وفريق تسويق من أوروبا ونقلهم إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
H&M: عارضات حقيقيات مستنسخات بالذكاء الاصطناعي

Image: H&M Website
أعلنت H&M عن تعاونها مع شركة التكنولوجيا Uncut في مارس 2025، وبعد بضعة أشهر، في يوليو 2025، نشرت الصور الأولى لـ 30 نسخة رقمية من عارضاتها الحقيقيات، قابلة لإعادة الاستخدام في مختلف الأسواق دون الحاجة إلى جلسات تصوير جديدة. وقد وافقت العارضات على استخدام صورهن، وحصلن على تعويض مالي مقابل استنساخ صورهن الأصلية. رحّبت عارضة H&M، فانيسا مود، بهذا التغيير، معربةً عن سعادتها بالمشاركة في هذه العملية بدلاً من استبعادها، واعتبرت التجربة نموذجاً للممارسات الجيدة في استخدام الذكاء الاصطناعي. حتى أنها مازحت قائلةً إن نسختها الرقمية تشبهها تماماً، باستثناء أنها استطاعت أن تتجنب إرهاق السفر.
Guess: إعلان مولّد بالذكاء الاصطناعي في مجلة Vogue

Image: Seraphinne Vallora, AI Marketing Agency
في عدد أغسطس 2025 من مجلة فوغ الأميركية، الذي تتصدر غلافه آن هاثاواي أثناء تصويرها الجزء الثاني من فيلم The Devil Wears Prada يظهر إعلانٌ من صفحتين لعلامة Guess، يضم عارضتي أزياء شقراوتين، أناستازيا وفيفيان، ترتديان أحدث تشكيلة من العلامة. صحيح أن الأمر لم يبدو واضحاً من خلال الصور وحدها، إلا أن التفاصيل الدقيقة كانت تؤكده: فقد تم توليد الصورتين بواسطة استوديو الذكاء الاصطناعي الخارجي Seraphinne Vallora ، الذي كُلِّف ببناء المشهد بأكمله، دون عارضات أزياء حقيقيات، أو تصوير فوتوغرافي حقيقي، أو موقع تصوير حقيقي، بل مجرد صور مولدة بالذكاء الاصطناعي مصممة لتبدو وكأنها جلسة تصوير تقليدية. كان العنصر الحقيقي الوحيد في الصفحة هو الملابس.
ولم تتضح المفارقة إلا بعد تسعة أشهر، عندما عُرض الجزء الثاني من فيلم The Devil Wears Prada مقدماً صورة قاتمة لصحافة تُفرَّغ من مضمونها بفعل التكنولوجيا نفسها التي استخدمتها Guess لإنتاج هذه الحملة.
Hermès تختار أيدي ليندا ميراد بدلاً من الذكاء الاصطناعي

Image: Linda Merad Website
في المقابل، ظهرت حركة مضادة أكثر هدوءاً: علامات تجارية تُعامل الفنان كعنصر أساسي في مبيعاتها.
راهنت Hermès على هذا النهج بوضوح، حيث استعانت بالرسامة ليندا مراد في مشروعها التعاوني “Drawn to Craft”، الذي تجاوز مجرد إعادة تصميم الموقع الإلكتروني ليشمل معارض فنية عامة تدعو الزوار إلى التقاط قلم رصاص والرسم، مُعاملةً الرسم كعملية إبداعية حية لا مجرد زخرفة.
من المهم الإشارة إلى أن هذه الحملات لا تمثل سوى الجانب التسويقي من استخدام الذكاء الاصطناعي في عالم الأزياء، إذ يمتد حضوره إلى مراحل أعمق، تشمل رسم الباترونات، والتنبؤ بالاتجاهات، وسلاسل التوريد أيضاً. لكن على هذا المستوى تحديداً، لم يتغير جوهر النقاش منذ أن حمل شتايشن الكاميرا للمرة الأولى.
ما تغير هو السرعة: استغرق التصوير الفوتوغرافي عقوداً، بينما استغرقت برامج مثل فوتوشوب والمؤثرات البصرية الحاسوبية وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي سنوات قليلة. يكمن وراء ذلك شعورٌ بعدم الارتياح، ليس بسبب فقدان الوظائف بقدر ما هو شعورٌ خفيّ، وهو أن سنوات إتقان مهارة ما تبدأ بالشعور بالضياع عندما تؤديها آلة في ثوانٍ. لكن المهارة القيّمة لم تكن أبداً هي الأداة.
فطيور وولفسون أثارت الإعجاب بسبب الحكم الفني حيال ما عناه الذكاء الاصطناعي، وليس بسبب استخدام الذكاء الاصطناعي نفسه، تماماً كما فعل فوغل عندما تحدّى الكاميرا لتحويل صورة فوتوغرافية إلى فن من فنون الأزياء بدلاً من مجرد توثيقها.