قبل سنوات قليلة فقط، كانت فكرة امتلاك نسخة رقمية من أنفسنا أقرب إلى أفلام الخيال العلمي منها إلى الواقع. أما اليوم، وبعد صعود الذكاء الاصطناعي، والصور المولدة، والأفاتارات، وتقنيات استنساخ الأصوات، فقد أصبحت هذه الفكرة جزءًا هادئًا من حياتنا اليومية.
ومن اللافت أن هذا النقاش لا يدور داخل متحف للفن المعاصر، بل في أحد الفضاءات الفنية التابعة لمؤسسة Fondation Louis Vuitton ، فمنذ تأسيسها، لم تكتفِ المؤسسة بتنظيم المعارض، بل سعت إلى خلق حوار بين الفن، والثقافة، والأفكار التي تشكل عالمنا اليوم. ويأتي معرض DOKU: The Illusion، المقام في Espace Louis Vuitton Venezia بالتزامن مع الدورة الحادية والستين من بينالي البندقية، ضمن برنامج Hors-les-murs الذي ينقل أعمال مجموعة المؤسسة الفنية خارج باريس. كما يتزامن المعرض مع الاحتفال بمرور عشرين عامًا على إطلاق مبادرة Espaces Louis Vuitton .
لكن ما يجعل هذا المشروع استثنائيًا ليس المناسبة أو مكان عرضه، بل اختيار فنان تبدو الأسئلة التي طرحها أكثر إلحاحًا اليوم مما كانت عليه عندما بدأ بطرحها لأول مرة.

projets.media@
قبل وقت طويل من دخول الذكاء الاصطناعي إلى أحاديثنا اليومية، كان الفنان الصيني لو يانغ يستكشف فكرة الهوية الرقمية.
فمنذ عام 2019، يعمل لو يانغ على تطوير مشروع DOKU، الذي يتمحور حول شخصية رقمية بُنيت انطلاقًا من مسح ثلاثي الأبعاد لملامحه الشخصية. ليست نسخة مطابقة له، ولا شخصية خيالية بالكامل، بل كيان افتراضي يقع في المنطقة الفاصلة بين الإنسان والآلة، وبين الجسد المادي والهوية الرقمية.
ولطالما عُرف لو يانغ بأعماله التي تمزج بين التكنولوجيا، والفلسفة، والثقافة الرقمية، مستلهمًا ألعاب الفيديو، والأنيمي، والفكر البوذي. لكن التكنولوجيا، في أعماله، ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لطرح أسئلة وجودية أكبر.
إذا أصبح بالإمكان إعادة إنتاج وجوهنا، وأصواتنا، وحركاتنا، وربما حتى أنماط تفكيرنا رقميًا، فأين تبدأ الهوية الحقيقية وأين تنتهي؟ وإذا استمرت نسخة رقمية منا في الوجود بشكل مستقل، فهل ستظل تمثلنا فعلًا؟

projets.media@
هذه هي الأسئلة التي يقف عليها معرض DOKU: The Illusion.
يُعرض الفيلم الرئيسي في المعرض على شاشة LED عملاقة موضوعة فوق ما يشبه المذبح، في مشهد يوحي بأن التكنولوجيا باتت تحتل المكان الرمزي الذي شغلته الأساطير والطقوس الروحية يومًا ما. ويتنقل العمل بين المشاهد المصورة، والصور المولدة بالذكاء الاصطناعي، والعوالم الافتراضية، لكنه لا يسعى إلى إبهار الزائر بقدر ما يدفعه إلى التأمل.
وربما لهذا تبدو أعمال لو يانغ أكثر راهنية اليوم من أي وقت مضى. ليس لأنها تتحدث عن الذكاء الاصطناعي، بل لأنها تتناول شيئًا أعمق بكثير: علاقتنا المتغيرة بالهوية، والواقع، والنسخ الرقمية التي بدأ كل واحد منا يصنعها لنفسه، سواء أدرك ذلك أم لا.
هل تستطيع التكنولوجيا إعادة إنتاج الإنسان؟ وإذا استطاعت، فما الذي سيبقى إنسانيًا حقًا؟
لا يقدم DOKU: The Illusion إجابات حاسمة، ولا يحاول أن يخبرنا إن كان ينبغي الاحتفاء بالذكاء الاصطناعي أو الخوف منه. بل يتركنا أمام ما قد يكون السؤال الثقافي الأهم في عصرنا: إذا أصبح بالإمكان استنساخ كل شيء تقريبًا، فما الذي يجعل الإنسان مستحيل الاستنساخ؟