في الدورة الثالثة والثمانين من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، يمتد حضور صُنّاع الأفلام المرتبطين بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من غرفة لجنة التحكيم إلى المنافسة على الأسد الذهبي، ومن الأفلام المتجذرة في فلسطين ولبنان إلى الأعمال التي تشكّلت عبر التجارب الإيرانية وتجارب الشتات.
تُعد المخرجة التونسية كوثر بن هنية أوضح تجسيد لهذا التحول. ففي العام الماضي، وصلت إلى فينيسيا بفيلمها «صوت هند رجب»، الذي أعاد بناء الساعات الأخيرة في حياة الطفلة الفلسطينية هند رجب، البالغة من العمر ست سنوات. وفاز الفيلم بجائزة الأسد الفضي الكبرى للجنة التحكيم. أما هذا العام، فتعود بن هنية إلى المهرجان في موقع مختلف، بوصفها عضوًا في لجنة تحكيم مسابقة فينيسيا 83، التي تترأسها المخرجة والممثلة الأمريكية ماغي جيلنهال.
يمثل هذا الانتقال خطوة مهمة؛ فلم تعد بن هنية تقدم أعمالها إلى واحد من أكثر المهرجانات السينمائية تأثيرًا في العالم فحسب، بل أصبحت تشارك في القرارات التي ستحدد الفائزين بأبرز جوائزه. وتنضم، إلى جانب ماغي جيلنهال، إلى لجنة تضم المؤلف الموسيقي دانيال بلومبرغ، والمخرج كزافييه جيانولي، والأكاديمي فرانشيسكو كاسيتي، والمخرجة الأفغانية شهربانو سادات، والمخرج من هونغ كونغ جوني تو.

Image: Kaouther Ben Hania Instagram
يعكس اختيارها المكانة الدولية التي بنتها عبر أفلام تتحرك بين الوثائقي والروائي، وتتناول في كثير من الأحيان أنظمة السلطة من خلال تجارب إنسانية حميمة. كما يوفر مدخلًا مناسبًا للنظر إلى الحضور الأوسع للمنطقة في فينيسيا هذا العام. فسينما الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تظهر داخل مساحة واحدة مخصصة لها في البرنامج، وإنما يتحرك صُنّاعها عبر مستويات متعددة من المهرجان، حاملين معهم لغات وأنواعًا سينمائية وعلاقات مختلفة بالمنطقة.
ضمن المسابقة الرسمية، تقدم المخرجة الدنماركية من أصول مصرية مي الطوخي فيلمها “امرأة مجهولة Woman Unknown ” تدور أحداث الفيلم في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ويتتبع ماري، الخادمة الشابة التي تستعد للزواج من مخدومها الأرمل الثري، بينما تحاول إخفاء علاقتها السابقة بجندي ألماني. لكن ماضيها يهدد مكانتها الاجتماعية الجديدة وسلامتها في مجتمع يسعى إلى معاقبة النساء اللاتي اتُّهمن بإقامة علاقات مع جنود قوات الاحتلال.

Woman Unknown – Image: La Biennale di Venezia
وبدلًا من تناول الحرب عبر ساحات القتال، تتجه الطوخي إلى جسد المرأة، والطرق التي يمكن أن يتحول بها إلى مساحة للحكم المجتمعي والقلق القومي والعقاب. الفيلم ناطق باللغة الدنماركية وأوروبي من حيث المكان والإنتاج، لكن حضور الطوخي يزعزع أيضًا أي تعريف ضيق لما ينبغي أن يقدمه المخرج المنتمي إلى المنطقة. فالهوية الإقليمية هنا تظهر داخل تجربة شتات ومسيرة فنية تتحرك عبر حدود ثقافية وجغرافية متعددة.
وينافس على الأسد الذهبي أيضًا فيلم “قليل من الضوء A Bit of Light ” للمخرج الإيراني علي أصغري. بطل الفيلم طبيب يُعتقل وتُغلق عيادته، فيفقد إيمانه بإمكان وجود مستقبل ينتظره، ويقرر إنهاء حياته. لكنه يزور والدته وإخوته أولًا ليودعهم، وخلال ذلك اليوم الأخير، تبدأ اللفتات الصغيرة من الرعاية في زعزعة يقينه بقراره.
يتعمد الفيلم الحفاظ على نطاق إنساني حميم. فالضغوط السياسية والاقتصادية تشكّل خلفية الأحداث، لكن القصة تركز على الروابط الهادئة القادرة على إعادة شخص ما إلى الحياة. تتحول العائلة والرفقة وأفعال العطف اليومية إلى قوة مضادة لليأس. ويكشف الفيلم، الذي يجمع في إنتاجه بين إيران وسويسرا وإيطاليا وكندا وتركيا، كيف تتحرك السينما المعاصرة القادمة من المنطقة عبر شبكات دولية، من دون أن تفقد خصوصية العالم الذي تصوره.

A Bit of Light – Image: La Biennale di Venezia
ويشارك مخرج إيراني آخر، هو محسن قرائي، في مسابقة «آفاق» بفيلم “المنزل المنهار Falling House. ” يتمحور الفيلم حول أسرة متواضعة تعيش في ضواحي طهران، بينما يواجه منزلها خطر الهدم الوشيك ضمن مشروع ضخم لإعادة تطوير المنطقة. وفي الوقت نفسه، يُتهم الأب، الذي يعمل حارسًا في أحد السجون، بالفساد، بينما تستعد ابنته الكبرى سرًا لمغادرة إيران والعمل عارضة أزياء.

Falling House – Image: La Biennale di Venezia
ومع اقتراب الجرافات، يتحول المنزل المهدد إلى أكثر من مجرد موقع للأحداث، إذ يعكس حال أسرة تمزقها المخاوف والسلطة والتصورات المتعارضة للمستقبل. ويستعين قرائي بثلاثة أجيال من النساء لاستكشاف التحولات في المواقف تجاه التحمّل والسيطرة والحرية، رابطًا الضغوط داخل المنزل بتلك التي تشكّل المجتمع خارجه.
في موضع آخر من البرنامج، يظهر الحضور الفلسطيني من خلال فيلمين يتناولان الحياة من زاويتين مختلفتين. ففي قسم «Venice Spotlight»، يقدم مؤيد عليان فيلم “حوار مع البحر Conversation With the Sea”، الذي يتتبع كمال، وهو رجل فلسطيني في الستين من عمره يعيش في القدس، تأمره محكمة إسرائيلية بسداد دين منسوب إلى ابنه وائل. لكن وائل يُعتقد أنه غرق في البحر الأحمر قبل عقود، ولا يوجد أي سجل رسمي يثبت وفاته.
ما يبدأ كمواجهة مع نظام بيروقراطي مستحيل يتحول إلى رحلة بحث تحركها الروابط العائلية والشعور بالذنب والفقد الذي لم يجد خاتمته. يستلهم عليان الفيلم من واقعة حدثت داخل عائلته، واضعًا الواقع السياسي في القدس داخل الحياة اليومية لرجل عادي. كما يجسد الفيلم، وهو إنتاج فلسطيني هولندي سعودي قطري مشترك، البنية التعاونية المتنامية التي تحيط بصناعة الأفلام في المنطقة.
أما فيلم “المواطن أسامة Citizen Osama” للمخرج أحمد حسونة، الذي يُعرض خارج المسابقة ضمن قسم «Venice Open»، فينقل الجمهور إلى شمال غزة. يتتبع الفيلم الوثائقي أسامة العشي، المصور الفني السابق الذي يتحول إلى مصور يوثق الحرب، في الوقت الذي يحاول فيه حماية زوجته وطفله حديث الولادة.

Citizen Osama – Image: La Biennale di Venezia
تتنقل رؤية الفيلم بين الصور التي يسجلها الصحفي للعالم والحياة التي تستمر خلف كاميرته. يوثق أسامة الأحداث، بينما يبحث في الوقت نفسه عن الطعام والماء والحليب لأسرته. ومن خلال التركيز على هاتين المسؤوليتين المتوازيتين، لا يقدمه حسونة بوصفه مراقبًا منفصلًا عن الأحداث، بل مواطنًا يعيش الظروف نفسها التي يحاول حفظها بالصورة.
ويقدم المخرج اللبناني رامي قديح نبرة سينمائية مختلفة في قسم «Venice Spotlight» من خلال فيلمه “Furies”. تدور الأحداث على خلفية الانهيار الاقتصادي في لبنان وتجميد مدخرات المودعين، وتتبع شقيقتين تخططان لعملية سطو محكمة على أحد البنوك من أجل استعادة أموالهما ودفع تكاليف عملية جراحية عاجلة.
يحول الفيلم تجربة وطنية مشتركة إلى قصة جريمة تقودها الشخصيات. وبدلًا من تناول الانهيار الاقتصادي من خلال الواقعية الجادة وحدها، يستعين قديح بقواعد أفلام النوع والتشويق والرغبة السوداوية في تحقيق العدالة، للتعبير عن غضب أشخاص حُرموا من الوصول إلى ما يملكونه بالفعل. ويوسع الفيلم الناطق بالعربية، وهو إنتاج لبناني برازيلي، نطاق الأشكال التي يمكن من خلالها تمثيل المنطقة على منصة سينمائية دولية.

Furies – Image: La Biennale di Venezia
ترفض هذه الأفلام مجتمعة فكرة التعامل مع سينما الشرق الأوسط وشمال أفريقيا باعتبارها صوتًا واحدًا. فهي تتحرك بين الدراما التاريخية والواقعية الاجتماعية الحميمة والأفلام الوثائقية والمأساة العائلية وأفلام السطو. صُنع بعضها بالكامل داخل المنطقة، بينما ظهر البعض الآخر عبر تجارب الشتات أو الإنتاج الدولي المشترك. وتدور قصصها بين كوبنهاغن وطهران والقدس وغزة ولبنان، كما تتنوع موضوعاتها بين الذاكرة والنوع الاجتماعي والانهيار الاقتصادي والاحتلال والعائلة والحرية الشخصية.
ولا يجمع هذه الأعمال أسلوب فني واحد أو موقف سياسي موحد، بل حضورها الواضح عبر خريطة المهرجان. ففي دورة فينيسيا 83، يحضر صُنّاع السينما من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا داخل لجنة التحكيم، وفي المسابقة الرسمية، وعبر عدد من الأقسام الموازية. إنهم لا يدخلون من باب واحد، ولا يُطلب منهم تمثيل المنطقة من خلال نوع واحد من القصص.
وربما يكون هذا الاتساع هو التطور الأكثر أهمية. فصُنّاع السينما من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا يكتسبون مساحة أكبر في فينيسيا فحسب، بل يكشفون أيضًا عن الأنماط الفنية المختلفة التي تتسع لها المنطقة.