A7 Magazine

    • أبعد من المقتنيات: حين تصبح المتاحف مساحات للقاء

      أبعد من المقتنيات: حين تصبح المتاحف مساحات للقاء

      • 27 August 2026
      • بقلم Norah Nagi
        المقال مكتوب باللغة العربية
    • ارتبطت صورة المتحف طويلًا بمبنى مهيب، وقاعات تفرض الصمت، ومسار محدد للحركة. يأتي الزائر لمشاهدة المجموعة، بينما تظل بقية المرافق عناصر جانبية تكمل الزيارة لكن هذا الترتيب بدأ يتغير. لم تعد المساحات الاجتماعية تُضاف إلى المتحف بعد اكتمال تصميمه، بل أصبحت جزءًا من فكرته الأساسية.

  • أبعد من المقتنيات: حين تصبح المتاحف مساحات للقاء

    Image: 421.online Instagram

 

 

بصفتي دارسة للفنون، كانت زيارة المتاحف جزءًا أساسيًا من دراستي. قضيت ساعات طويلة داخل المتحف المصري في ميدان التحرير، أتنقل بين قاعاته، أتأمل المعروضات وأدرس تفاصيلها. ومع ذلك، لم يتجاوز المتحف في ذهني يومًا فكرته التقليدية: مكان نذهب إليه لرؤية القطع الأثرية، ثم نغادر حين تنتهي المشاهدة.

 

لكن زيارتي الأخيرة للمتحف المصري الكبير غيرت هذه الفكرة. لم تبدأ التجربة عند أول قطعة أثرية، ولم تنتهِ بالخروج من قاعات العرض. كانت هناك الساحة الواسعة، والمطاعم والمقاهي والمتاجر، ومجموعات من الأصدقاء والعائلات يتجولون أو يجلسون معًا. شعرت أنني لا أزور متحفًا فقط، بل وجهة صُممت حول البقاء واللقاء بقدر ما صُممت حول المشاهدة.

 

هذه ليست سمة خاصة بالمتحف المصري الكبير وحده. فعبر المنطقة والعالم، يظهر جيل جديد من المتاحف والمساحات الثقافية التي تمنح الجمهور أسبابًا متعددة للدخول: فيلمًا، أو ورشة، أو مكتبة، أو مقهى، أو مكانًا لمقابلة الأصدقاء، على أمل أن يبدأ اللقاء مع الفن من هناك.

 

 

من قاعة للعرض إلى مساحة للحياة

 

ارتبطت صورة المتحف طويلًا بمبنى مهيب، وقاعات تفرض الصمت، ومسار محدد للحركة. يأتي الزائر لمشاهدة المجموعة، بينما تظل بقية المرافق عناصر جانبية تكمل الزيارة.

 

 

 

Image: pinterest

 

 

 

لكن هذا الترتيب بدأ يتغير. لم تعد المساحات الاجتماعية تُضاف إلى المتحف بعد اكتمال تصميمه، بل أصبحت جزءًا من فكرته الأساسية. تظهر الأفنية والحدائق والمكتبات ودور السينما والاستوديوهات ومساحات العمل المشترك في محاولة لجعل المؤسسة جزءًا من الحياة اليومية، لا وجهة تُزار مرة واحدة.

 

يقدم المتحف المصري الكبير مثالًا واضحًا. فإلى جانب قاعات العرض، يضم المجمع منطقة تجارية واسعة ومساحات للطعام والتسوق والجلوس. لا ينتظر المكان من الزائر أن يغادر بمجرد انتهاء جولته، بل يمنحه أسبابًا للبقاء والعودة.

 

 

المشاركة بدل المشاهدة الصامتة

 

لا يحدث التحول في العمارة وحدها، بل في البرامج أيضًا. فالجمهور الجديد لا يُعامل باعتباره مجموعة من الزوار تتحرك أمام الأعمال، وإنما مجتمعًا قادرًا على المشاركة في إنتاج المعرفة وتبادلها.

 

في أبوظبي، يعكس تحول Warehouse421 إلى 421 Arts Campus هذا الاتجاه. لم تعد المعارض نشاطه الوحيد؛ فقد ضم برنامج ربيع 2026 أكثر من 40 ورشة ودائرة قراءة وفعالية عائلية، إلى جانب مساحات للكتابة والصناعة والتعلم المشترك.

 

 

 

Image: Louvre Abu Dhabi Instagram

 

 

 

 

وفي جدة، تجسد مؤسسة Hayy Jameel الفكرة حتى في اسمها؛ فكلمة «حي» تشير إلى مكان يعيش فيه الناس ويلتقون. يجمع المجمع المعارض والسينما والمكتبة والاستوديوهات والبرامج التعليمية والأسواق حول فناء مركزي. ويمكن للزائر أن يأتي لمشاهدة فيلم أو حضور ورشة أو لقاء أصدقائه، لا لمشاهدة معرض فقط.

 

 

 

Image: Hayy Jameel Instagram

 

 

 

 

يظهر التوجه نفسه في مؤسسات أخرى بالمنطقة. ففي دبي، يجمع Jameel Arts Centre بين قاعات العرض والمكتبة الفنية وحديقة المنحوتات والمساحات المفتوحة على الواجهة المائية. وفي الدوحة، يضم M7 المعارض والمسرح ومساحات العمل والبرامج التدريبية، داخل مبنى يستلهم فكرة برج المجلس التقليدي. أما Louvre Abu Dhabi، فتجعل ساحته تحت القبة وممراته المطلة على الماء العمارة نفسها جزءًا من اللقاء، فلا تقتصر الزيارة على التنقل بين القاعات.

 

في هذه المؤسسات، لا يعود البرنامج العام ملحقًا بالمعرض، بل وسيلة لبناء علاقة مستمرة مع الجمهور. فالزائر الذي يأتي إلى ورشة اليوم قد يعود إلى فيلم في الأسبوع التالي، ثم يدخل معرضًا لم يكن يخطط لمشاهدته.

 

 

الفن تجربة كاملة

 

تغير أيضًا الأسلوب الذي تُسوَّق به الثقافة للأجيال الجديدة. فالمتاحف والمعارض لا تتنافس مع المؤسسات الثقافية فقط، بل مع المطاعم والسينما والمراكز التجارية وكل مكان يمكن أن يقضي فيه الجمهور وقت فراغه.

 

لذلك، لم تعد الحملات تقول: «تعال لمشاهدة مجموعة مهمة» فحسب، بل تقدم الزيارة بوصفها تجربة بصرية واجتماعية يمكن مشاركتها وتصويرها.

 

قدمت تجربة Beyond Van Gogh: The Immersive Experience في القاهرة نموذجًا واضحًا. فهي لا تعرض لوحات فان جوخ الأصلية، بل تحيط الزائر بأعماله من خلال الإسقاطات الضوئية والموسيقى والواقع الافتراضي. كما أُقيمت في District 5 بالقاهرة الجديدة، داخل وجهة تجارية واجتماعية مألوفة لجمهور الخروجات.

 

قدمت التجربة الفن بعيدًا عن رهبة المتحف التقليدي. لم يكن الزائر بحاجة إلى معرفة مسبقة بتاريخ الفن؛ كان الوعد هو الدخول إلى عالم فان جوخ، وقضاء وقت ممتع، وربما اكتشاف الفنان من خلال التجربة.

 

 

 

Image: Beyond Van Gogh Egypt Instagram

 

 

 

 

 

هل يقترب الفن أم يتحول إلى خلفية؟

 

يحمل هذا النموذج مفارقة يصعب تجاهلها. فكلما أصبحت التجربة الاجتماعية أكثر حضورًا، ظهر احتمال أن يتحول العمل الفني إلى خلفية لها. قد يصبح المقهى أكثر شهرة من المجموعة، أو تتحول الساحة إلى موقع للتصوير، أو يُقاس نجاح المعرض بعدد المنشورات التي أنتجها لا بالأسئلة التي أثارها.

 

لكن الحل ليس العودة إلى متحف مغلق يطالب الجمهور بالصمت والمعرفة المسبقة. التحدي هو تحقيق التوازن: أن تكون المؤسسة مرحبة من دون أن تصبح سطحية، وأن تجعل الزيارة ممتعة من دون أن تحول الفن إلى ديكور.

 

ربما لهذا غير المتحف المصري الكبير فكرتي عن المتاحف. لم يكن الاختلاف في ضخامة المبنى أو عدد القطع المعروضة فقط، بل في شعوري بأنني أستطيع البقاء بعد انتهاء المشاهدة.

 

حين يصبح المتحف مكانًا للقاء، لا يفقد وظيفته الأساسية. على العكس، قد يجد الفن طريقه إلى أشخاص لم يكونوا سيأتون إليه من قبل.