قد يبدو اختيار كوثر بن هنية لعضوية لجنة التحكيم الدولية لمسابقة فينيسيا 83 خطوة طبيعية بعد فوزها العام الماضي بجائزة الأسد الفضي – الجائزة الكبرى للجنة التحكيم، لكن علاقة المخرجة التونسية بمهرجان فينيسيا السينمائي تمتد إلى سنوات أبعد. فعلى مدار ثمانية أعوام، تحركت بن هنية بين مستويات مختلفة من المهرجان؛ عضوةً في لجان التحكيم، ومخرجةً متنافسة، وفائزةً بإحدى أبرز جوائزه، قبل أن تصل إلى أهم طاولات اتخاذ القرار فيه.
بدأت رحلتها مع فينيسيا عام 2018، حين انضمت إلى لجنة تحكيم “أسد المستقبل – جائزة فينيسيا لويجي دي لورينتيس للعمل الأول”. في ذلك الوقت، كانت بن هنية قد بدأت بالفعل في جذب الاهتمام الدولي من خلال أفلام مثل “شلاط تونس” و”على كف عفريت”، لكنها لم تكن قد وصلت بعد إلى الحضور البارز في مواسم الجوائز الذي سيصبح جزءًا من مسيرتها لاحقًا. وضعها دورها في فينيسيا بين مجموعة من صُنّاع الأفلام والشخصيات الثقافية المكلفة باختيار العمل الأول الفائز بالجائزة.
بعد عامين، عادت إلى المهرجان بعمل من إخراجها. شارك فيلم “الرجل الذي باع ظهره” في مسابقة “آفاق” عام 2020. يتتبع الفيلم لاجئًا سوريًا يسمح بتحويل ظهره إلى عمل فني حي، فيصبح جسده مساحة تتقاطع فيها الحرية والامتيازات والهجرة وسوق الفن الدولية.

Image: Kaouther Ben Hania Instagram
فاز بطل الفيلم، يحيى مهايني، بجائزة آفاق لأفضل ممثل، بينما أصبح العمل لاحقًا أول فيلم تونسي يترشح لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم دولي. مثّل اختياره في فينيسيا محطة مهمة في صعود بن هنية دوليًا، وكشف قدرتها على الاستعانة بفكرة روائية جريئة لمناقشة أسئلة سياسية وأخلاقية.
وحين عادت إلى فينيسيا عام 2023، كان موقعها قد تغير مرة أخرى. ففي ذلك العام، شاركت في لجنة تحكيم قسم “آفاق”، لتسهم في تقييم أفلام القسم نفسه الذي احتضن “الرجل الذي باع ظهره” قبل ثلاث سنوات.
جاء هذا الاختيار بالتزامن مع مرحلة بارزة أخرى في مسيرتها؛ إذ كان فيلم “بنات ألفة”، الذي يمزج بين الوثائقي والروائي في تقديم صورة لأم تونسية وبناتها، قد عُرض في مهرجان كان، حيث فاز بجائزة “العين الذهبية”، قبل أن يترشح لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي طويل.
تكشف هذه الأدوار المختلفة جانبًا مميزًا من مسيرة بن هنية؛ فلم يستقبلها فينيسيا في موقع ثابت واحد، بل تنقلت بين تقديم أعمالها الخاصة وتقييم أعمال مخرجين آخرين، مثلما تتحرك أفلامها نفسها بين الوثائقي والروائي والشهادة وإعادة بناء الوقائع.
جاء الفصل الأبرز عام 2025، حين شارك فيلم “صوت هند رجب” في مسابقة فينيسيا 82 الرسمية. يعيد العمل بناء الساعات الأخيرة من حياة هند رجب، الطفلة الفلسطينية البالغة من العمر ست سنوات، التي حوصرت داخل سيارة تحت إطلاق النار، بينما كان متطوعو الهلال الأحمر يحاولون الوصول إليها.

Image: Kaouther Ben Hania Instagram
فاز الفيلم بجائزة “الأسد الفضي – الجائزة الكبرى للجنة التحكيم”، واضعًا بن هنية بين أبرز أصوات تلك الدورة. كما جسّد النهج الذي أصبح يميز جانبًا كبيرًا من أعمالها: البدء بتجربة إنسانية فردية، ثم التوسع تدريجيًا لكشف أنظمة العنف والسلطة والتمثيل المحيطة بها.
وفي عام 2026، تعود بن هنية إلى فينيسيا في أهم أدوارها داخل لجان التحكيم حتى الآن. فمن خلال عضويتها في لجنة التحكيم الدولية لمسابقة فينيسيا 83، التي تترأسها ماغي جيلنهال، ستشارك في اختيار الفائزين بجوائز المسابقة الرسمية: “الأسد الذهبي لأفضل فيلم”، و”الأسد الفضي – الجائزة الكبرى للجنة التحكيم”، وطالأسد الفضي – جائزة أفضل مخرج”، وكأس فولبي لأفضل ممثلة وأفضل ممثل، وجائزة لجنة التحكيم الخاصة، وجائزة أفضل سيناريو، وجائزة مارسيللو ماستروياني لأفضل ممثل شاب أو ممثلة شابة صاعدة. وتضم اللجنة أيضًا دانيال بلومبرغ وفرانشيسكو كاسيتي وكزافييه جيانولي وشهربانو سادات وجوني تو.
لا يمثل هذا الاختيار مجرد احتفاء بنجاح “صوت هند رجب”، بل يعكس علاقة بُنيت تدريجيًا مع فينيسيا عبر المشاركة في مستويات متعددة من المهرجان. ففي عام 2018، ساهمت بن هنية في اختيار الفائز بجائزة “أسد المستقبل – جائزة فينيسيا لويجي دي لورينتيس للعمل الأول”. وفي عام 2020، قدمت فيلمها داخل قسم “آفاق”. وفي عام 2023، عادت لتحكيم أفلام القسم نفسه. وفي عام 2025، فازت بجائزة “الأسد الفضي – الجائزة الكبرى للجنة التحكيم”. أما هذا العام، فتشارك في اختيار الفائزين بجوائز المسابقة الرسمية.

Image: Kaouther Ben Hania Instagram
يعكس هذا التدرج أيضًا اتساع تأثير بن هنية داخل السينما العالمية. تحصد أفلامها التقدير لأنها تتحدى باستمرار الحدود بين الأشكال السينمائية. فهي تستخدم الأداء لمساءلة الواقع، والمواد الوثائقية لإعادة تشكيل السرد، والقصص الحميمة لكشف قوى سياسية واجتماعية وعالمية.
عندما تنطلق دورة فينيسيا 83، لن تصل بن هنية بفيلم جديد لتقديم عرضه الأول، بل سيحمل حضورها ثقلًا من نوع مختلف. فبعد أعوام من التنقل بين أقسام المهرجان ولجان تحكيمه، تنضم الآن إلى الهيئة المسؤولة عن تحديد جوائز المسابقة الرسمية وصياغة الحوار الأهم حول أفلام الدورة.
قدّم فينيسيا علامات فارقة عدة في مسيرة كوثر بن هنية، ويكشف مقعدها هذا العام داخل لجنة التحكيم الدولية للمسابقة الرسمية مدى ما قطعته في هذه الرحلة.