A7 Magazine

    • تراث أم فن؟ كيف يعيد الفنانون العرب رسم الحدود بينهما

      تراث أم فن؟ كيف يعيد الفنانون العرب رسم الحدود بينهما

      • 27 August 2026
      • بقلم Norah Nagi
        المقال مكتوب باللغة العربية
    • لا يصبح النسيج أو التطريز أو الخوص فنًا معاصرًا لمجرد دخوله قاعة العرض. تكمن معاصرته في الأسئلة التي يستطيع طرحها عن الحاضر. فالتراث لا يبقى حيًا عندما يُحفظ بعيدًا عن التغيير، بل عندما ينتقل إلى يد جديدة، ويكتسب معنى جديدًا، من دون أن يفقد أثر الأيدي التي سبقته.

  • تراث أم فن؟ كيف يعيد الفنانون العرب رسم الحدود بينهما

    Image: Courtesy of the Ministry of Youth, Culture and communication ot the Kingdom of Morocco

 

في أول جناح وطني للمغرب في بينالي البندقية، قدمت الفنانة أمينة أكزناي عملًا لا يظهر فيه النسيج خلفية للفن، وإنما يصبح هو العمل نفسه.

 

يحمل التركيب اسم Asǝṭṭa، وهي كلمة أمازيغية تشير إلى النسيج الطقسي، وشارك في إنجازه 166 حرفية وحرفيًا من أنحاء المغرب. لم يعيد العمل صياغة قطعة تراثية، بقدر ما استخدم المعرفة المتوارثة للحديث عن الذاكرة والأرض والعمل الجماعي.

 

يجسد المشروع تحولًا أوسع تشهده المنطقة العربية. وهو استخدام الفنانين التطريز والخيامية والخوص والزجاج المنفوخ بوصفها لغات قادرة على مناقشة الحرب والهجرة والهوية والمحو الثقافي. وليس فقط كحرف جميلة من الماضي.

 

 

 

Courtesy of the Ministry of Youth, Culture and communication ot the Kingdom of Morocco
Image of the artist: aminaagueznay Instagram

 

 

 

 

معرفة تنتقل بين الأجيال

 

تعمل أمينة أكزناي منذ أكثر من عقدين مع حرفيين ونسّاجات من مناطق مغربية مختلفة، مستخدمة الصوف والحبال وقشور النخيل وتقنيات النسيج والتطريز. ولا تكمن قيمة أعمالها في شكلها النهائي فقط، وإنما في المعرفة التي تنتقل من يد إلى أخرى أثناء صنعها.

 

وتتبنى الفنانة الإماراتية عزة القبيسي مقاربة مشابهة تجاه حرف السدو والخوص والتلي. فقد درست هذه التقنيات بالتعاون مع حرفيات إماراتيات، ثم نقلت إيقاعاتها إلى النحت والتصميم والأعمال المعدنية. وفي أحد مشروعاتها، استخدمت الخوص لصنع خريطة تجمع الإمارات السبع، لتتحول تقنية كانت مرتبطة بالأدوات المنزلية إلى لغة بصرية معاصرة. تتعامل الفنانتان مع التراث باعتباره معرفة حية لا تستمر إلا إذا سُمح لها بالتغير، وليس شكلًا ثابتًا يجب نسخه.

 

 

 

Images: azzaalqubaisi Instagram

 

 

 

 

 

 

إصلاح الذاكرة الممزقة

 

يتخذ هذا التغيير معنى مختلفًا لدى الفنانة السعودية الفلسطينية دانا عورتاني. في أعمالها عن المواقع التراثية التي دمرتها الحروب، تستخدم الأقمشة القديمة وتحدد عليها أماكن الدمار، ثم تمزقها وتعيد ترميمها بالخيط.

 

تظل الندوب ظاهرة بعد الإصلاح، فلا يدعي العمل أن ما فُقد يمكن أن يعود كما كان. ويتحول الترقيع اليدوي إلى فعل للحداد والتذكر، وتصبح كل غرزة محاولة لحماية الذاكرة من الاختفاء.

 

 

 

Images: danaawartanistudio Instagram

 

 

 

 

 

أما الفنانة والمعمارية الفلسطينية ديما سروجي، فتعمل مع حرفيي الزجاج والحجر والطين وعرق اللؤلؤ. ومن خلال مشروع Hollow Forms، تعاونت مع نافخي الزجاج الفلسطينيين لإنتاج أوانٍ تستحضر قطعًا أثرية خرجت من سياقها الأصلي وانتهى بعضها في مجموعات المتاحف الأجنبية.

 

لا تعيد سروجي صنع الآثار المفقودة حرفيًا، وإنما تستخدم الزجاج لتسأل: لماذا تحظى القطعة القديمة بالحماية داخل المتحف، بينما تكافح الحرفة الحية التي صنعتها من أجل البقاء؟

 

 

 

Images: dimasrouji Instagram

 

 

 

 

 

الحرفة تتحدث عن الحاضر

 

في مصر، يعيد معتز نصر قراءة لغة الخيامية التي ارتبطت بالسرادقات والاحتفالات الشعبية. ففي عمله Khayameya، بنى نمطًا مستوحى منها باستخدام أكثر من سبعة آلاف عود ثقاب.

 

يحتفظ العمل بالإيقاع الهندسي للخيامية، لكنه يستبدل القماش بمادة قابلة للاشتعال. وهكذا تتحول الزخرفة المألوفة إلى صورة عن الهشاشة المختبئة تحت السطح، ويصبح التراث وسيلة لفهم المجتمع المعاصر، لا للهروب منه.

 

 

 

Images: therealmoataznasr Instagram

 

 

 

 

 

 

بدورها، تستخدم الفنانة اللبنانية منيرة الصلح التطريز لحفظ حكايات النساء واللاجئين والعائلات التي أعادت الحروب والهجرة تشكيل حياتها. وفي عملها A Day Is as Long as a Year، تعاونت مع مطرزات في لبنان وهولندا لإنجاز خيمة تحمل نصوصًا ورسومًا وذكريات مطرزة.

 

يتطلب تطريز جملة واحدة وقتًا أطول كثيرًا من كتابتها. ومن خلال هذا البطء، تمنح الصلح القصص التي قد تمر سريعًا في الأخبار حضورًا ماديًا يصعب تجاهله.

 

 

 

Image: Courtesy of Mounira Al Solh

 

 

 

 

 

,يتنقل الفنان الجزائري رشيد قريشي بسلاسة بين الخط والنسيج والخزف والأعمال المعدنية والتطريز، مستلهمًا الفكر الصوفي، إلى جانب أنظمة العلامات والرموز العربية والأمازيغية والطوارقية. وبدلًا من التعامل مع هذه التقاليد بوصفها مراجع ثابتة تنتمي إلى الماضي، يحوّل الحروف والرموز والتقنيات الموروثة إلى لغة بصرية معاصرة>

 

 

 

Images: Courtesy of Khalil Sakakini Cultural Center

 

 

 

 

من الحرفي إلى قاعة العرض

 

يثير انتقال الحرفة إلى المعارض والبيناليات سؤالًا ضروريًا: من يحصل على الاعتراف؟

 

قد تشارك عشرات الأيدي في صنع عمل يحمل في النهاية اسم فنان واحد، وقد ترتفع قيمة تقنية تقليدية بمجرد دخولها سوق الفن، بينما يظل الحرفيون الذين حافظوا عليها خارج المشهد.

 

لذلك لا يكفي أن يقتبس الفنان شكل الحرفة. الأهم هو شكل علاقته بمن يحملون معرفتها: هل يظهرون بوصفهم شركاء أم مجرد منفذين؟ وهل يمنحهم المشروع مساحة لتطوير الحرفة والاستفادة من قيمتها الجديدة؟

 

لا يصبح النسيج أو التطريز أو الخوص فنًا معاصرًا لمجرد دخوله قاعة العرض. تكمن معاصرته في الأسئلة التي يستطيع طرحها عن الحاضر. فالتراث لا يبقى حيًا عندما يُحفظ بعيدًا عن التغيير، بل عندما ينتقل إلى يد جديدة، ويكتسب معنى جديدًا، من دون أن يفقد أثر الأيدي التي سبقته.