رحل الفنان الفلسطيني سليمان منصور، أحد أبرز الأسماء المؤثرة في الفن العربي الحديث، عن عمر ناهز 79 عامًا. وعلى امتداد أكثر من خمسة عقود، ابتكر الرسام والنحات لغة بصرية متجذرة في فلسطين: أرضها وقراها وأثوابها المطرزة وأشجار الزيتون والبرتقال، والقدس التي عادت مرارًا في أعماله.
تجاوزت صوره حدود قاعات العرض، وانتشرت عبر الملصقات والبطاقات والمطبوعات، حتى أصبحت جزءًا من الثقافة البصرية الفلسطينية نفسها. وفي أعقاب رحيله، تستعيد A7 سبعة أعمال تكشف جوانب مختلفة من إرثه الفني.
جمل المحامل، 1973

Image: sliman.mansour Instagram
ربما يكون جمل المحامل أشهر أعمال منصور وأكثرها حضورًا في الذاكرة. يصور العمل رجلًا فلسطينيًا مسنًا ينحني تحت ثقل القدس التي يحملها على ظهره، فيما ترتفع قبة الصخرة فوق المدينة.
يحوّل منصور النزوح إلى عبء جسدي؛ فالوطن شيء يحمله الإنسان معه حتى عندما يصبح بعيد المنال. ومع الانتشار الواسع لنسخ اللوحة، تجاوزت كونها عملًا فنيًا منفردًا لتصبح إحدى الصور الراسخة للذاكرة الفلسطينية والصمود.
الصمود والأمل، 1976

Image: sliman.mansour Instagram
تنظر ثلاث شخصيات ترتدي الزي الفلسطيني التقليدي نحو طائر يحلق في السماء، بينما يمتد خلفها مشهد يحمل آثار الدمار.
من هذا التناقض تستمد الصمود والأمل قوتها. فالأمل هنا لا يأتي من غياب المعاناة، بل يستمر في قلبها. وتظهر في اللوحة أيضًا عناصر ستتكرر في أعمال منصور لاحقًا: الزي التقليدي، والأرض، وشخصيات تبدو ممثلة لتجربة جماعية تتجاوز حكاياتها الفردية.
امرأة تحمل القدس، 1979

Image: sliman.mansour Instagram
عاد منصور عام 1979 إلى فكرة حمل القدس، لكنه وضع المدينة هذه المرة بين ذراعي امرأة فلسطينية ترتدي ثوبًا مطرزًا.
وعلى خلاف الثقل الساحق في جمل المحامل، تبدو القدس هنا كأنها محمولة بحماية واحتضان. وقد حضرت المرأة كثيرًا في أعمال منصور بهذا الدور الرمزي، رابطًا بينها وبين الوطن واستمرار الثقافة والذاكرة الجماعية.
فتاة في القرية، 1982

Image: sliman.mansour Instagram
لم تكن أعمال منصور بحاجة دائمًا إلى مشاهد المواجهة كي تحمل دلالاتها السياسية. في فتاة في القرية، تقف امرأة ترتدي الزي الفلسطيني التقليدي وسط مشهد طبيعي بدرجات ترابية.
إنها صورة أكثر هدوءًا، لكنها أساسية لفهم تجربته. فالقرى والملابس والحياة اليومية تتحول إلى وسائل للحفاظ على الصلة بالمكان. لا تتجسد الهوية فقط فيما فُقد، بل أيضًا فيما يستمر.
القرية تستيقظ، 1987

Image: sliman.mansour Instagram
في القرية تستيقظ، يتجه منصور إلى تفاصيل الحياة في القرية، جامعًا بين الشخصيات والملابس التقليدية والمشهد الطبيعي ليخلق إحساسًا حميميًا بالارتباط بالمكان.
تكشف اللوحة جانبًا آخر مهمًا من تجربته؛ قدرته على إيجاد المعنى في الحياة اليومية من دون الاعتماد على الرموز الضخمة والمباشرة. هنا يُحمل التراث عبر البشر والملابس والطبيعة، لتصبح تفاصيل المشهد العادي وسيلة للحفاظ على الاستمرارية الثقافية.
قطاف الزيتون، 2016

Image: sliman.mansour Instagram
في قطاف الزيتون، يعمل رجل فلسطيني بين أشجار الزيتون. لا توجد استعارة ضخمة أو رمز مركزي مباشر، بل تنبع دلالة العمل من الفعل اليومي البسيط المتمثل في الاعتناء بالأرض.
كانت شجرة الزيتون أحد الرموز المتكررة في تجربة منصور. وفي لغته البصرية، ارتبطت بالأراضي المحتلة عام 1967، بينما استدعت أشجار البرتقال الأراضي المفقودة في النكبة. لذلك، لم تكن الطبيعة في لوحاته مجرد خلفية، بل حاملة للتاريخ.
المهاجرة، 2017

Image: sliman.mansour Instagram
يجمع عمل المهاجرة عددًا من العناصر التي تكررت في عالم منصور: المرأة، والتطريز التقليدي، والبرتقال، وسؤال النزوح.
في هذه المرحلة المتأخرة من مسيرته، تبدو الرمزية أكثر هدوءًا مقارنة ببعض أعماله المبكرة ذات الطابع الأيقوني، لكن السؤال الجوهري يظل حاضرًا: كيف يمكن الحفاظ على الصلة بالمكان في ظل الانفصال عنه؟
لغة بصرية باقية
يتجاوز إرث منصور هذه الأعمال السبعة. فخلال الانتفاضة الأولى، شارك في تأسيس جماعة “نحو التجريب والإبداع” المعروفة أيضًا بـ”الرؤية الجديدة”، إلى جانب فيرا تماري وتيسير بركات ونبيل عناني. وفي رفض لاستخدام خامات فنية إسرائيلية، لجأ الفنانون إلى مواد محلية، من بينها الطين والحناء، لتصبح خامة العمل الفني نفسها جزءًا من علاقتهم بالأرض.
لكن إرث منصور الأكبر ربما يكمن في تلك الصور التي أصبحت مألوفة خارج حدود عالم الفن: ثوب فلسطيني مطرز، وشجرة زيتون، وبستان برتقال، والقدس محمولة بالقرب من الجسد.
لم يرسم سليمان منصور الذاكرة الفلسطينية فحسب. على امتداد أكثر من خمسة عقود، أسهم في منحها لغة بصرية، وترك صورًا تستطيع من خلالها أن تُحمل من جيل إلى آخر.