في صيف عام 1831، بدأت ظواهر غريبة تحدث في البحر بين صقلية وتونس. فقد أفادت السفن التي كانت تمر بالقرب من الساحل الجنوبي لصقلية بأن المياه بدت وكأنها تغلي، وأن الأسماك النافقة كانت تطفو على السطح، وأن الدخان يتصاعد من البحر. كان بركان تحت الماء في طور الثوران.
في غضون أيام، ظهرت جزيرة جديدة. أطلقت عليها بريطانيا اسم جزيرة غراهام، بينما أطلقت عليها مملكة الصقليتين اسم فردينانديا، أما الفرنسيون فأشاروا إليها باسم جزيرة جوليا. كان كل اسم كان يحمل دلالته الخاصة على ملكية الجزيرة. ثم، قبل أن يُحسم النزاع، اختفت الجزيرة. تآكلت صخورها البركانية المتناثرة بسرعة بفعل البحر، وفي غضون أشهر، عادت لتغوص تحت مياه البحر الأبيض المتوسط.

Image: Elisa Giardina Papa, She Flickered In and Out of History, 2026. Courtesy of the artist.
تتناول إليسا جياردينا بابا هذه الدراما الجيوسياسية قصيرة الأجل في فيلمها الجديد الذي تبلغ مدته 18 دقيقة والذي يتضمن عملاً فنياً متعدد الوسائط في معهد الفنون المعاصرة بلندن.
قبل تصوير الفيلم، سافرت إلى الموقع برفقة صيادين من بانتيليريا وغاصت إلى عمق أربعين متراً تقريباً، وتقول إن التكوين البركاني المغمور أصبح الآن حاضنة طبيعية للأسماك. يتنقل الفيلم بين جبل إتنا، وسترومبولي، والمنحدرات البركانية المغمورة في البحر الأبيض المتوسط. وتظهر المياه والرماد والمواد البركانية المفتتة والحمم البركانية بدلاً من صورة ثابتة للجزيرة.
توضح جياردينا بابا أن السرد بُني بالكامل على السجلات التاريخية. “لم يكن الأمر من نسج الخيال، ومع ذلك أُعيد ترتيب كل شيء”. عند قراءة التقارير الجيولوجية من القرن التاسع عشر، لاحظت أن القياسات تباينت من رواية إلى أخرى. فقد تغيرت الارتفاعات والأعماق والأبعاد مع استمرار الجزيرة في التشكّل والتآكل.

Image: Elisa Giardina Papa, She Flickered In and Out of History, 2026. Installation view at Institute of Contemporary Arts, London, 2026. Photograph©Rob Harris
ينتقل المقطع الأخير من قصيدة الفيلم إلى الألوان، مستنداً مباشرةً إلى شهادات لشهود عيان تمّ تسجيلها بعد ثوران البركان: البنفسجي، والأرجواني، والأرجواني الداكن، والأزرق النيلي. في باليرمو، بدت الشمس كقرص أبيض مزرق باهت. وفي سان سيفر بفرنسا، وُصفت بأنها مستديرة وبيضاء كالقمر قبل أن تتحول إلى لون أزرق باهت. وذكرت صحيفة في غوانزو أن الشمس بدت خضراء باهتة عند شروقها وغروبها. وفي تينيسي، ظهرت ملاحظة في هامش كتاب مقدس عائلي وصفت الشمس بأنها بدت زرقاء صافية.
وقد ظهرت تلك الألوان مرة أخرى في المعرض من خلال أعمال زجاجية مصنوعة جزئياً من الكوتيسو، وهو زجاج خام تنم إعادته إلى أفران مورانو ليتم صهره مرة أخرى.

Image: Elisa Giardina Papa, “U Scantu”: A Disorderly Tale, 2022. Video and ceramic installation. Variable dimensions,12 min. Still frame from video. Courtesy of the Artist and Galerie Tanja Wagner. ©Elisa Giardina Papa.
يُعدّ هذا الفيلم الجديد الفصل الثاني من ثلاثية جياردينا بابا التي تستكشف تاريخ البحر الأبيض المتوسط المنسي. عُرض الجزء الأول، U Scantu: A Disorderly Tale )2022(، لأول مرة في الدورة التاسعة والخمسين من معرض بينالي البندقية الدولي للفنون. استند الفيلم إلى الفلكلور الصقلي، وذكريات عائلية، وسجلات محاكم التفتيش المتعلقة بـ” donne di fora”، وهي كائنات من الموروث الصقلي وُصفت بأنها بشرية وفي الوقت نفسه تحمل صفات حيوانية، وقادرة على إظهار الرحمة والانتقام في الوقت نفسه.
تصف فيلمها الجديد بأنه قائم على “الانسحاب والرفض”، رافضةً الفكرة التي تعتبر أن الأرض مجرد “شيء مُتاح للاستيلاء عليه”.
بعد قرنين تقريباً، لا تزال الجزيرة مغمورة بالمياه. والأسئلة التي أثارتها لم تختفِ أبداً.