اختراق المركز: كيف فرض المبدعون العرب سطوتهم على بينالي البندقية منذ 2021؟
المشاركة العربية في “بينالي البندقية” ليست مجرد تمثيل شرفي أو حضور على الهامش، إنها منصة لفرض أجندات فنية ومعمارية جديدة كلياً. من استبدال الخرسانة بالملح، إلى تحويل التاريخ إلى أوبرا بصرية، وصولاً إلى استنطاق الصمت. إليكم جردة حساب للمشاركات العربية التي أعادت صياغة المشهد العالمي من عام 2021 وحتى اليوم..

الريادة البيئية: انتزاع الأسد الذهبي 2021

في دورة العمارة لعام 2021، قلب الجناح الإماراتي الطاولة على المفاهيم التقليدية للبناء. من خلال مشروع “Wetland” للمصمم وائل الأعور، حيث تم تقديم بديل حيوي للأسمنت مستخرج من أملاح السبخات. هذه المشاركة بدت أقرب إلى بيان سياسي وبيئي منح العرب أرفع جائزة في البينالي (الأسد الذهبي)، مبرهنة على أن الحلول المناخية العالمية قد تأتي من قلب الصحراء.
2022: الفن كفعل مقاومة جمالية
شهدت هذه الدورة حضوراً لافتاً للفنون البصرية التي تدمج بين التراث الرقمي والهوية الأرضية. في الجناح الإماراتي، قدم محمد أحمد إبراهيم تجربة لونية غامرة استخدم فيها ألوان النيون ليعكس تضاريس الجبال، مما خلق حالة بصرية استثنائية خطفت الأنظار عالمياً. وفي أول ظهور رسمي لها، قدمت سلطنة عُمان رؤية فنية معاصرة جمعت بين أجيال مختلفة، مؤكدةً أن الفن العماني يمتلك لغة عالمية تتجاوز الحدود الجغرافية.
مختبر المستقبل 2023: العمارة الصحراوية تتحدث
شهدت هذه الدورة حضوراً لافتاً للفنون البصرية التي تدمج بين التراث الرقمي والهوية الأرضية :

الإمارات: قدم محمد أحمد إبراهيم تجربة لونية غامرة، حيث استخدم ألوان النيون ليعكس تضاريس الجبال، مما خلق حالة بصرية استثنائية خطفت الأنظار عالمياً.
- عُمان: في أول ظهور رسمي لها، قدمت السلطنة رؤية فنية معاصرة جمعت بين أجيال مختلفة، مؤكدة أن الفن العماني يمتلك لغة عالمية تتجاوز الحدود الجغرافية.
2024: تفكيك الروايات التاريخية
في دورة الفنون البصرية، برزت القدرة العربية على استخدام السرد كأداة نقدية. قدّم المصري وائل شوقي “دراما 1882″، وهو عمل أوبرالي سينمائي يفكك الرواية الاستعمارية بذكاء بصري حاد، جعله من أكثر الأجنحة تداولاً ونقداً إيجابياً في الصحافة العالمية. وعلى الجانب اللبناني، جسّدت منيرة الصلح من خلال منسوجاتها ورسوماتها قصص الصمود والهوية، رابطةً بين البحر والذاكرة الجماعية.
2026 :عصر النضج الفلسفي
ينطلق بينالي البندقية للفنون 2026 تحت شعار “In Minor Keys”، لكن المشاركة العربية هذا العام تأتي بنغمات واثقة وتجارب حسية تتجاوز مجرد العرض البصري لتشمل الصوت والمنسوجات والذاكرة الشمّية. من أروقة “جيارديني” إلى القصور التاريخية، يُقدّم المبدعون العرب هذا العام أعمق وأنضج مشاركاتهم حتى الآن.

في الجناح الإماراتي، وتحت إشراف القيّمة بانا قطان، يُقدَّم معرض “وشوشة” ، مصطلح يحاكي صوت الهمس، الذي يجمع ستة فنانين من أجيال مختلفة هم: فرح القاسمي، ميس البيك، جواد المالحي، آلاء إدريس، لمياء قرقاش، وطوس ميكايفا. يستكشف المشروع المشاهد الصوتية في الإمارات وكيفية حملها للذاكرة والتحولات المتسارعة، في مزيج يجمع بين التاريخ الشفهي والتكنولوجيا وعلاقة الجسد بالهوية.
أما في الجناح المصري، فيُمثّل البلاد الفنان أرمن أغوب بمشروع “جناح الصمت: بين الملموس وغير الملموس”، الذي يدعو زواره إلى حالة من التباطؤ والإنصات العميق، متحدياً ضجيج العالم المعاصر. أغوب، المعروف بنحوته التأملية، يسعى لخلق مساحة توازن بين الروح والجسد من خلال تكوينات هندسية صامتة لكنها بليغة الأثر.

وتمثل الفنانة دانا عورتاني المملكة العربية السعودية، مركّزةً في ممارساتها على إحياء الحرف التقليدية في الشرق الأوسط من خلال الهندسة والأنماط المعمارية، بهدف الحفاظ على الميراث المادي للمنطقة وتقديمه برؤية معاصرة تخاطب أسئلة الراهن.
وبمشاركة لافتة من “متحف فلسطين بالولايات المتحدة”، يُقدَّم معرض “غزة: بلا كلمات” في قصر “مورا”، تجربة بصرية وإنسانية عميقة تضم 100 قطعة من التطريز الفلسطيني (Tatreez) صنعتها نساء في مخيمات اللاجئين والقرى في لبنان والأردن والضفة الغربية، وتحمل كل قطعة قرابة 55 ألف غرزة لتوثيق آثار الحرب وحماية الهوية الثقافية من المحو.
في الجناح اللبناني، يُقدّم الفنان نبيل نحاس تجهيزاً فنياً ضخماً بعنوان “Don’t Get Me Wrong” تحت إشراف القيّمة د. ندى غندور، لوحة جدارية عملاقة من الأكريليك تحتفي بالطبيعة اللبنانية وأشجار الأرز، بأسلوب نسيجي غني يعكس قدرة الفن على خلق روابط تتجاوز الحدود. وفي الجانب السوري، تُقدّم الفنانة سارة شمة مشروع “المدافن البرجية في تدمر”، تجهيزاً متعدد الحواس يجمع بين الرسم والعمارة والضوء والصوت والرائحة، مستلهَماً من المدافن البرجية التي دمّرتها الحرب، بوصفه شهادة على الفقد ورسالة للأمل.
وتمثّل الفنانة أمينة أجزناي المغرب بمشروع “أسيتا” (Asǝtta) تحت إشراف القيّمة مريم برادة، في رحلة تغوص في عالم النسيج والمعادن مستكشفةً العلاقة بين الحرفة والعمل الجماعي والذاكرة التراثية. أما جناح قطر، فيُقدّم تحت عنوان “Untitled 2026” تجمعاً لأسماء بارزة تشمل صوفيا الماريا وطارق عطوي وعالية فريد وفادي قطان، في هيكل مستوحى من مجالس قطر التقليدية، يمزج بين الأفلام والعروض الحية وإعادة تفسير تقاليد “التخت” و”الوصلة” بأسلوب عصري.
إن هذه الرحلة المستمرة منذ 2021 تؤكد أن المصمم والفنان العربي لا يبحث عن مقعد في القاعة، إنما هو من يحدد إيقاع الحوار العالمي، مقدماً نموذجاً ملهماً لجيل جديد يرى في الفن والتصميم وسيلة للتغيير الحقيقي لا للزينة فقط. وهذا العام تحديداً، يثبت المبدعون العرب أن الفن هو اللغة الصعبة التي تشرح ما لا تشرحه الكلمات، من التطريز الفلسطيني إلى صمت أرمن أغوب، تظل البندقية شاهدة على ذروة النضج الفني العربي.
أي جناح تظنون أنه سيسطر علي منصات التواصل الأجتماعي هذا العام ؟