“قمحة” بيروت: حوار مع ليال مرعي عن الذاكرة والعمارة وما لا تقوله المدن
انطلق مشروع “قمحة” الذي طوّرته المهندسة المعمارية والباحثة اللبنانية ليال مرعي من تتبّع انتشار حبوب القمح في أنحاء بيروت بعد انفجار المرفأ، في محاولة لفهم ما تكشفه هذه الظاهرة عن العلاقة بين الذاكرة والبنية التحتية والبيئة تمثّل ليال جيلاً جديداً من المصممين الذين يعملون عند تقاطع العمارة والبحث والسرد القصصي، حيث تشكّلت تجربتها الأكاديمية والمهنية حول فكرة أساسية: كيف يمكن للعمارة أن تكشف ما تخبّئه المدن في طبقاتها غير المرئية؟ من خلال مشروعها البحثي “قمحة” ورؤيتها النقدية لبيروت اليوم، تتحدث ليال عن الذاكرة والبيئة والبنية التحتية، وعن العمارة كأداة قراءة، حيث تعتقد أن الشرق أصبح بحاجة إلى تجاوز فكرة أن العمارة تعني البناء فقط. وبالنسبة لمدن المنطقة، هذا يعني أيضاً التعامل مع تاريخ لم يُحل بعد، وعدم محاولة تلميعه بسرعة.

Image: Courtesy of Layal Merhi
تتحدثين عن العمارة كأداة لكشف السرديات الخفية. عندما تنظرين إلى بيروت اليوم، ما الذي تشعرين أن المدينة ما زالت تحاول قوله، لكنه لم يُسمع بالكامل بعد؟
أعتقد أن بيروت ما زالت تحاول التعبير عن الظروف التي أُجبرت على اعتبارها أمراً طبيعياً. الكثير منها ليس مخفياً فعلاً، بل تم التعايش معه في الحياة اليومية. تمرّين بجانبه وتعتادين عليه. من المدهش إلى أي درجة يمكن للناس أن يتكيّفوا. المدينة تتحدث من خلال شظاياها، من خلال ما يتسرّب من أنظمة لم تعد قادرة على الصمود، لكننا أصبحنا بارعين جداً في عدم الإصغاء الكامل.
كيف تطوّرت علاقتكِ بلبنان مع تحوّل عملكِ أكثر نحو البحث وازدياد حضوره دولياً؟ هل ساعدكِ البُعد على رؤية المدينة بوضوح أكثر أم جعل العلاقة أكثر تعقيداً؟
البُعد لم يجعل الأمور أكثر وضوحاً فجأة. بالعكس، جعل العلاقة أكثر تعقيداً قليلاً. أصبحتُ أكثر وعياً بما أحمله معي. المسافة جعلت علاقتي بالمدينة أكثر صعوبة في كثير من الأحيان. هذا شعور يشاركني فيه كثير من المغتربين. لا أعتقد أنني أرى بيروت بوضوح أكثر من بعيد، لكنني أتعامل معها بوعي أكبر.
مشروع “قمحة” يرتكز على الذاكرة والبيئة والبنية التحتية. في أي لحظة أدركتِ أن هذه الظاهرة ليست شعرية فقط، بل شيء يحتاج إلى توثيق معماري؟
عندما أدركت أن القمح لم يكن مجرد صورة رمزية. اخترتُ أن أنظر إلى ما هو أبعد من الرمزية. كان يتحرّك ويستقر وينمو في أنحاء المدينة، ويدخل أماكن لم يُفترض أن يكون فيها. في تلك اللحظة، لم يعد الأمر شاعرياً فقط، بل أصبح حالة حقيقة تربطنا بالمكان. كان شيئاً يجب أن نتتبّعه ونوثّقه ونفهمه ضمن الأنظمة التي أنتجته.
الكثير من المعماريين يركّزون على البناء، بينما عملكِ يركّز على الفهم قبل البناء. هل ترين أن البحث هو شكل من أشكال التصميم بحدّ ذاته؟
نعم، بالتأكيد. أنا أؤمن أن البحث هو بالفعل شكل من أشكال التصميم. هو الذي يحدّد كيف يُبنى المشروع: ماذا نختار أن نُظهر وماذا نترك خارج الصورة. في كثير من الحالات، عملية الفهم نفسها – الرسم، الخرائط، جمع المعرفة – هي المكان الذي يحدث فيه المشروع فعلاً. غالباً ما يكون العمل الحقيقي هناك، قبل أن يتم بناء أي شيء.
تتحدثين في عملكِ عن “البيئات الشبحية”. كيف يمكن للعمارة أن تجعل ما هو غير مرئي في المدينة، مرئياً؟البيئات الشبحية هي حالات غير مرئية بالكامل، لكنها موجودة وفاعلة، ومؤلمة أحياناً. يمكن للعمارة أن تتعامل معها من خلال تتبّع آثارها بدلاً من محاولة إعادة بنائها مباشرة. ما حدودها؟ ما تأثيرها؟ كيف تمتد؟ الأمر يتعلّق بالانتباه إلى التغيّرات الصغيرة، إلى الآثار والبقايا والأنماط التي لا تبدو مرتبطة بالمكان للوهلة الأولى، لكنها متجذّرة بعمق في طريقة عمل المدينة.
بصفتكِ تعملين بين العمارة والبحث والتعليم، ما الدور الذي تعتقدين أن الجيل الجديد من المعماريين يجب أن يلعبه في مدن الشرق الأوسط اليوم؟
أعتقد أننا بحاجة إلى تجاوز فكرة أن العمارة تعني البناء فقط. هناك الكثير من العمل الذي يجب أن يتم في القراءة، وطرح الأسئلة، وأحياناً مقاومة الظروف التي ورثناها. وبالنسبة لمدن المنطقة، هذا يعني أيضاً التعامل مع تاريخ لم يُحل بعد، وعدم محاولة تلميعه بسرعة.
كيف تتعاملين شخصياً مع الثقل العاطفي للعمل على مدينة مثل بيروت، خاصة عندما تصبح العمارة وسيلة لتوثيق الصدمة بقدر ما هي وسيلة لقراءة المكان؟
لا أحاول أن أبتعد عن ذلك. بيروت جزء مني فعلاً. هذا الثقل العاطفي هو جزء من العمل. نعم، هو ثقيل أحياناً، لكنه أيضاً يجعل العمل أكثر صدقاً من جهة، ويجعلني أكثر مسؤولية من جهة أخرى. أحاول التعامل معه بحذر، من دون المبالغة في الشرح، أو تحويله إلى شيء رومانسي، أو تجميله. فقط البقاء مع ما هو موجود، حتى عندما يكون صعباً.