فن عدم القيام بأي شيء
بالتأكيد، جميعنا نعرف كيف نسترخي ونقضي وقتنا بلا هدف. لكن الكثير منا مشغولون للغاية بحيث لا يملكون الوقت الكافي لذلك، وعندما نفعل، غالباً ما تكون أذهاننا مشغولة بأمور أخرى. لم نعد نعرف كيف نسترخي ونستمتع بالهدوء. باللاشيء! لقد فقدنا شعورنا بالوقت، وأصبحنا عاجزين عن قضاء الوقت بفراغ تام، من دون هاتف، من دون شاشة، أو أي نوع من الإلهاء. ولهذا، يصبح “فنّ اللاشيء” ضرورة، ومحاولة جادّة لاستعادة علاقتنا الحقيقية مع أنفسنا ومع العالم من حولنا.
فلنستكشف “فنّ اللاشيء” والاسترخاء التام، وما يقوله العلم عن الراحة الحقيقية، وكيف يمكنك الاستمتاع بالهدوء بالطريقة التي تُناسبك.
أحيانًا، أفضل طريقة لتعريف شيء ما هي أن نعرف ما هو عكسه. لذا، دعونا نوضح أن الاسترخاء التام عن قصد ليس دليلاً على ضعف الإرادة أو الاستسلام. إنه فعل هادئ تختار فيه استعادة انتباهك ووقتك وراحتك الذهنية. الاسترخاء التام عن قصد يعني اختيار السكون بوعي ودون شعور بالذنب.
في لغة التأمل، يُطلق على هذا المفهوم اسم Nothingness، والذي يُترجم تقريباً إلى “الاسترخاء التام” أو “فعل شيء بلا هدف”. وقد طرحت الصحفية أولغا ميكينغ هذا المفهوم في نقاش عالمي من خلال مقالها في صحيفة نيويورك تايمز عام 2019 بعنوان “حجة الاسترخاء التام”، وكتابها “نيكسن: احتضان فن الاسترخاء التام الهولندي”. ومنذ ذلك الحين، اكتسب هذا المفهوم رواجاً كبديل لثقافة الإنتاجية المفرطة والإرهاق.
هذه الممارسة ليست كالتأمل، أو تصفّح تيك توك، أو التخطيط لمشترياتك القادمة في ذهنك أثناء “الراحة”. إنها عكس تعدد المهام، وتتمثل بدلاً من ذلك في الاسترخاء بلا هدف – ربما على مقعد في الحديقة، أو التحديق من النافذة، أو الاستلقاء على السرير، أو ببساطة ملاحظة شعورك بالتواجد في اللحظة الحالية. لكن هل هناك أساس علمي لعدم القيام بأي شيء؟
قد يسعدك أن تعلم أنك تُفيد عقلك عندما لا تفعل شيئاً.
عندما لا تُركز على مهمة محددة، ينتقل دماغك إلى ما يُسمى بشبكة الوضع الافتراضي (DMN). تنشط هذه الشبكة خلال لحظات الراحة، مثل أحلام اليقظة، أو شرود الذهن، أو مجرد التأمل. يقول الباحثون إن هذه الحالة تدعم ترسيخ الذاكرة، ومعالجة المشاعر، والتأمل الذاتي، وحل المشكلات الإبداعي. لذا، إذا تساءلت يوماً عن سبب ظهور أفضل أفكارك غالباً أثناء الاستحمام أو المشي بلا هدف، فها هو الجواب.
من المهم أيضاً إدراك ما يُعتبر الراحة الأكثر تجديداً للنشاط: فهي ليست مشاهدة التلفاز أو استخدام الهاتف، وهو ما نربطه عادةً بمصطلح “الراحة”. بل هي نوع من السكون الحر غير المنظم الذي يمنح عقلك مساحة حقيقية للتنفس. مساحة خالية من الأفكار- مساحة من الفراغ التام، والذي يبدو صعباً رغم بساطته. هل هذا منطقي حتى؟ لماذا قد يكون عدم القيام بأي شيء أصعب مما يبدو؟
نظرياً، يبدو عدم القيام بأي شيء أمراً بسيطاً. اجلس فقط. كن ساكناً. لا تنخرط في أي شيء. لكن في الواقع، قد يكون الأمر غير مريح للغاية. ففي النهاية، لم يعتد عقلك على السكون.
إذا كنت تواجه صعوبة في فن عدم القيام بأي شيء، فإليك بعض الأسباب:
الضغط الثقافي: لقد تربى الكثير منا (سواء بشكل صريح أو ضمني) على أن قيمتنا تُقاس بما نفعله. لذا، عندما نتوقف، لا يسعنا إلا أن نسمع صوتاً داخلياً يقول إننا نضيع وقتنا، وأنه ينبغي علينا القيام بشيء مفيد. فجأة، لا نشعر بالراحة، بل نشعر بالتوتر.
أدمغتنا غير معتادة على ذلك: فقد وجدت دراسة أجرتها جامعة فرجينيا عام 2014 أن بعض المشاركين فضلوا تعريض أنفسهم لصدمات كهربائية خفيفة على الجلوس في صمت لمدة تتراوح بين 6 و15 دقيقة فقط. (نعم، هذا صحيح). هكذا يبدو الأمر غريباً وغير مريح بالنسبة لبعضنا أن نكون وحدنا مع أفكارنا.
أصبح التحفيز المستمر هو الوضع الطبيعي الجديد: قد يصعب إيجاد لحظة هادئة بعيداً عن هواتفنا وشاشاتنا وقوائم مهامنا. كانت أنشطة مثل الانتظار في الطابور، أو المشي إلى السيارة، أو تنظيف الأسنان، فترات استراحة طبيعية، لكنها الآن مليئة بالضوضاء. عندما تختفي هذه الفترات، قد يبدو السكون الحقيقي مُهدداً، لأنه غريب جداً علينا.
لذا، إذا سبق لك أن حاولتَ عدم القيام بأي شيء وانتهى بك الأمر إلى استخدام هاتفك، أو ترتيب المطبخ، أو الانغماس في أفكار مقلقة، فاعلم أنك ببساطة تصطدم بعادات وأنظمة لا تترك مجالاً كبيراً للهدوء. ولكن هذا سبب إضافي لمواصلة المحاولة.