“كان” بدون فلتر: سينما، ودعاية، وقواعد لباس صارمة؟
في جدول الفعاليات السنوية، يُعتبر مهرجان كان السينمائي الحدث الذي يملأ الدنيا ويشغل الناس. فعلى امتداد حوالي عشرة أيام- وهي فترة إقامة المهرجان- تتحول المدينة الفرنسية المتوسطية إلى قبلة أنظار العالم والمشاهير، وتتسابق علامات الموضة والمجوهرات والجمال لتترك بصمتها على السجادة الحمراء للمهرجان.. اليوم يُعتبر “كان” سنوياً حدثاً راسخاً ننتظره ونتابع أخباره، لكن قبل أن يصبح بهذه الأهمية، ثمة قصة تستحق أن تُروى وراء انطلاق المهرجان والمراحل التي مرّ بها.

Image: Demi Moore at Cannes Film Festival- Courtesy of Gucci
من فكرة سياسية إلى منصة عالمية
هل تتوقعون أن تكون السياسة وراء انطلاق المهرجان؟ ربما تتساءلون ما علاقة السينما بالسياسة؟ في الواقع، هناك ترابط وطيد بين العالمين، فلطالما لجأ عالم السياسة إلى الأفلام للترويج لأفكار أيديولوجية معينة، ولطالما اعتُبرت صناعة الأفلام جزءاً لا يتجزأ من البروباغندا. وفي حال مهرجان كان، بدأ كل شيء في البندقية عام 1938. تحت ضغط هتلر وموسوليني، غيّر أعضاء لجنة تحكيم مهرجان البندقية السينمائي أسماء الفائزين قبل ساعات من إعلان النتائج الرسمية، لصالح فيلم وثائقي دعائي نازي. وقد صُدم الدبلوماسي والمؤرخ الفرنسي، فيليب إرلانجر، بهذه الأحداث، وبدأ يفكر في تنظيم مهرجان حرّ، دون أي ضغوط أو قيود. وتحولت هذه الفكرة إلى مشروع رسمي بعد حصوله على موافقة وزير التعليم الفرنسي آنذاك، جان زاي. وافتُتح مهرجان كان السينمائي الدولي في الأول من سبتمبر عام 1939، بالتزامن مع مهرجان البندقية السينمائي.
اختيار “كان” مدينة المهرجان
كانت فرنسا تطمح أيضاً إلى تحقيق نجاح مماثل لإيطاليا، بمنح مهرجانها مكانة مرموقة. وقد أُدرجت كل من كان وبياريتز ضمن قائمة تضم نحو عشر مدن فرنسية لاستضافة الحدث، فانتشرت شائعات بأن كان ستفوز، ولكن في تطور مفاجئ للأحداث، أُعلن في 9 مايو 1939 عن اختيار بياريتز مقراً للمهرجان. لذا عاد داعمو كان إلى العمل، ونجحوا في الفوز بالمنافسة من خلال عرض زيادة المساهمة المالية للبلدية. وهكذا، في 31 مايو 1939، وقّعت مدينة كان والحكومة الفرنسية على شهادة ميلاد مهرجان كان السينمائي الدولي الرسمية.
المهرجان وسط الاضطرابات
كان من المقرر إقامة المهرجان الأول في الفترة من 1 إلى 20 سبتمبر 1939 في قاعة بمقاهي البلدية، فوصل رواد المهرجان الأوائل في أغسطس، وشاركوا في حفلات باذخة، وتولى الرسام جان غابرييل دوميرغ تصميم الملصق الرسمي لهذا المهرجان الأول. ولكن مع تزايد التهديدات بنشوب الحرب، فرّ الجميع. وفي 1 سبتمبر، غزت القوات الألمانية بولندا، فتمّ تأجيل المهرجان لمدة 10 أيام، لكن الوضع ازداد سوءاً. أُعلنت الحرب في 3 سبتمبر، وأُعلن التجنيد الإجباري، مما جعل إقامة المهرجان مستحيلة. وتطلّب الأمر الانتظار عدة سنوات، إلى ما بعد انتهاء الحرب العالمية، لينطلق المهرجان من جديد في يوليو 1945. ومنذ ذلك الحين، لم يعد “كان” مجرد مهرجان عروض، بل تحوّل إلى منصة سنوية تجمع الصناعة نفسها: من الإنتاج إلى التوزيع، وخاصةً بعد إطلاق سوق الأفلام عام 1959، والذي رسّخ دوره كمركز اقتصادي للسينما العالمية.

Image: Sandra Huller at Cannes Film Festival, Courtesy of Chanel
قواعد اللباس: انضباط مدروس
اليوم، يتعدّى تأثير “كان” عالم السياسة وصناعة السينما والصورة، ليطال أيضاً قطاع آخر لا يقلّ أهيمة: الموضة. فالسجادة الحمراء للمهرجان تتحول إلى ما يشبه منصة لاستعراض الإطلالات التي تتنوع بين فساتين السهرة والتصاميم الدرامية والمجوهرات التي تلمع أمام كاميرات المصورين. في بداياته، فرض المهرجان قواعد لباس مستمدة من تقاليد المنتجعات الفاخرة في الريفييرا الفرنسية: بدلات رسمية للرجال- Black Tie- وفساتين سهرة للنساء.
لكن هذه القواعد لم تبقى ثابتة. ففي العام الماضي على سبيل المثال، فرضت إدارة المهرجان قواعد جديدة على السجادة الحمراء. قبل يوم واحد فقط من انطلاق الفعاليات فرضت الإدارة قواعد اللباس الجديدة التي تحضر الفساتين المكشوفة “العارية” وارتداء الفساتين “الفضفاضة”، وأُلزمت فرق الاستقبال بمنع دخول أي شخص لا يلتزم بهذه القواعد إلى السجادة الحمراء. في غضون ذلك، وعلى الرغم من التقارير التي تشير إلى حظر سابق للأحذية المسطحة، يتم تشجيع الضيوف الحاضرين في عروض مسرح لوميير الكبرى، المعروفة أيضاً بالعروض الأولى للأفلام، على ارتداء أحذية أنيقة، سواء كانت مسطحة أو ذات كعب عالٍ. ومع ذلك، ولا يُسمح لهم بإحضار حقائب كبيرة أو حقائب تسوق. كما يُمنع الإدلاء بأي تصريحات سياسية أو المشاركة في أي احتجاجات.