A7 Magazine

  • 10 May 2026
  • بقلم Dyana Farhat
    المقال مكتوب باللغة العربية

Cannes Unfiltered: ما بين السينما، البروباغندا، وصناعة الصورة

Cannes Unfiltered: ما بين السينما، البروباغندا، وصناعة الصورة

ثمة شيء مختلف في مهرجان كان السينمائي الدولي. فرغم أنه لا يبتعد في جوهره عن حفل الأوسكار، حيث يقوم كلا الحدثين على تكريم الإنجازات السينمائية ومنح الجوائز، إلا أن مهرجان “كان” يمتلك إيقاعاً خاصاً يجعله أكثر ترقّباً. فهو لا يُختصر في ليلة واحدة، كما هو حال الأوسكار، بل يمتد على أيام متواصلة، تتحول فيها المدينة إلى مسرح حيّ للسينما: عروض يومية، سجادة حمراء لا تهدأ، ونجوم يمرّون تباعاً بإطلالات تُصاغ بعناية وتجتاح السوشيل ميديا.

وربما لأن المهرجان يُقام في مدينة متوسطية تشبه مدننا، نشعر بقربه منا أكثر. هناك ألفة غير معلنة تجعلنا نتابعه وكأنه جزء من مشهدنا، لا مجرد حدث أوروبي بعيد.. كما أن تخصيصه مساحة مستمرة للأفلام العربية يمنحه بُعداً إضافياً بالنسبة لنا، إذ لم تعد المشاركة رمزية، بل باتت السينما العربية تتقدم تدريجياً نحو موقعها ضمن المشهد العالمي، مستفيدةً من هذه المنصة التي تجمع بين العرض والتأثير.

اليوم يُعتبر “كان” سنوياً حدثاً راسخاً ننتظره ونتابع أخباره، لكن قبل أن يصبح بهذه الأهمية، ثمة قصة تستحق أن تُروى وراء انطلاق المهرجان والمراحل التي مرّ بها.

 

 

إيل فانينغ، رزان جمال، هالي بيري على السجادة الحمراء لمهرجان كان

 

 

من فكرة سياسية إلى منصة عالمية

هل تتوقعون أن تكون السياسة وراء انطلاق المهرجان؟ نعم، السياسة. ربما تتساءلون ما علاقة السينما بالسياسة؟ في الواقع، هناك ترابط وطيد بين العالمين، فلطالما لجأ عالم السياسة إلى الأفلام للترويج لأفكار سياسية معينة، ولطالما اعتُبرت صناعة الأفلام جزءاً لا يتجزأ من البروباغندا. وفي حال مهرجان كان، بدأ كل شيء في البندقية عام 1938. تحت ضغط هتلر وموسوليني، غيّر أعضاء لجنة تحكيم مهرجان البندقية السينمائي (موسترا) أسماء الفائزين قبل ساعات من إعلان النتائج الرسمية، لصالح فيلم وثائقي دعائي نازي. وقد صُدم الدبلوماسي والمؤرخ الفرنسي، فيليب إرلانجر، بهذه الأحداث، وبدأ يفكر في تنظيم مهرجان حرّ، دون أي ضغوط أو قيود. وتحولت هذه الفكرة إلى مشروع رسمي بعد حصوله على موافقة وزير التعليم الفرنسي آنذاك، جان زاي. وافتُتح مهرجان كان السينمائي الدولي في الأول من سبتمبر عام 1939، بالتزامن مع مهرجان البندقية السينمائي.

حظي المهرجان الفرنسي بموافقة بالإجماع، وتم التأكيد على الطابع الأصيل للحدث: حيث تختار كل دولة فيلماً للمشاركة في المسابقة. ولم ترغب فرنسا في تأجيج التوترات، فقررت دعوة جميع الدول المنتجة للأفلام، بما فيها ألمانيا وإيطاليا اللتان رفضتا الدعوة. وكانت الأزمة تتصاعد صيف عام 1939، إذ غيّرت العمليات العسكرية الألمانية وجه أوروبا، ولم توافق سوى تسع دول على المشاركة في المهرجان الأول.

 

اختيار “كان” مدينة المهرجان

كانت فرنسا تطمح أيضاً إلى تحقيق نجاح مماثل لإيطاليا، بمنح مهرجانها مكانة مرموقة. وقد أُدرجت كل من كان وبياريتز ضمن قائمة تضم نحو عشر مدن فرنسية لاستضافة الحدث، فانتشرت شائعات بأن كان ستفوز، ولكن في تطور مفاجئ للأحداث، أُعلن في 9 مايو 1939 عن اختيار بياريتز مقراً للمهرجان. لذا عاد داعمو كان إلى العمل، ونجحوا في الفوز بالمنافسة من خلال عرض زيادة المساهمة المالية للبلدية. وهكذا، في 31 مايو 1939، وقّعت مدينة كان والحكومة الفرنسية على شهادة ميلاد مهرجان كان السينمائي الدولي الرسمية.

 

المهرجان وسط الاضطرابات

كان من المقرر إقامة المهرجان الأول في الفترة من 1  إلى 20 سبتمبر 1939 في قاعة بمقاهي البلدية، فوصل رواد المهرجان الأوائل في أغسطس، وشاركوا في حفلات باذخة، وتولى الرسام جان غابرييل دوميرغ تصميم الملصق الرسمي لهذا المهرجان الأول. ولكن مع تزايد التهديدات بنشوب الحرب، فرّ الجميع. في 1 سبتمبر، غزت القوات الألمانية بولندا، فتمّ تأجيل المهرجان لمدة 10 أيام، لكن الوضع ازداد سوءاً. أُعلنت الحرب في 3 سبتمبر، وأُعلن التجنيد الإجباري، مما جعل إقامة المهرجان مستحيلة. وتطلّب الأمر الانتظار عدة سنوات، إلى ما بعد انتهاء الحرب العالمية، لينطلق المهرجان من جديد في يوليو 1945. ومنذ ذلك الحين، لم يعد “كان” مجرد مهرجان عروض، بل تحوّل إلى منصة سنوية تجمع الصناعة نفسها: من الإنتاج إلى التوزيع، وخاصةً بعد إطلاق سوق الأفلام عام 1959، والذي رسّخ دوره كمركز اقتصادي للسينما العالمية.

 

 

كايت بلانشيت، جولييت بيونش، إزابيل هوبير بإطلالات رصينة في مهرجان كان

 

قواعد اللباس: انضباط مدروس

اليوم، يتعدّى تأثير “كان”  عالم السياسة وصناعة السينما والصورة، ليطال أيضاً قطاع آخر لا يقلّ أهيمة: الموضة. فالسجادة الحمراء للمهرجان تتحول إلى ما يشبه منصة لاستعراض الإطلالات التي تتنوع بين فساتين السهرة والتصاميم الدرامية والمجوهرات التي تلمع أمام كاميرات المصورين. منذ بداياته، فرض المهرجان قواعد لباس مستمدة من تقاليد المنتجعات الفاخرة في الريفييرا الفرنسية: بدلات رسمية للرجال- Black Tie-  وفساتين سهرة للنساء.

لكن هذه القواعد لم تبقى ثابتة. ففي العام الماضي على شبيل المثال، فرضت إدارة المهرجان قواعد جديدة على السجادة الحمراء. قبل يوم واحد فقط من انطلاق الفعاليات فرضت الإدارة قواعد اللباس الجديدة التي تحضر الفساتين المكشوفة “العارية” وارتداء الفساتين “الفضفاضة”، وهما أمران أصبحا شائعين بشكل متزايد مع ازدياد عدد المشاهير وعارضات الأزياء الذين حضروا المهرجان. وأُلزمت فرق استقبال المهرجان بمنع دخول أي شخص لا يلتزم بهذه القواعد إلى السجادة الحمراء.

و للتذكير فقط: كانت ذيول الفساتين مُشكلة كبيرة في مهرجان 2024. فقد واجهت الممثلة الدومينيكية ماسيل تافيراس موقفاً مُتوتراً أثناء صعودها درج قصر المهرجانات بعد أن حاولت مراراً استعراض ذيل فستانها الفخم، الذي يحمل صورة السيد المسيح. منعها رجال الأمن من التقاط الصور مع الفستان على الدرج، ما أدى إلى مُواجهة محرجة التقطتها عدسات الكاميرات. لذا من السهل فهم سبب حرص إدارة مهرجان كان على تجنب تكرار ذلك. في غضون ذلك، وعلى الرغم من التقارير التي أشارت إلى حظر سابق للأحذية المسطحة، يتم تشجيع الضيوف الحاضرين في عروض مسرح لوميير الكبرى (المعروفة أيضاً بالعروض الأولى للأفلام) على ارتداء أحذية أنيقة، سواء كانت مسطحة أو ذات كعب عالٍ. ومع ذلك، لا يُسمح لهم بإحضار حقائب كبيرة أو حقائب تسوق. كما يُمنع الإدلاء بأي تصريحات سياسية أو المشاركة في أي احتجاجات.