نادراً ما تُعيد دور الأزياء ابتكار نفسها بين ليلة وضحاها. غالباً ما يأتي التغيير بهدوء، من خلال تصميمٍ أو اختيارٍ أنيق أو تفصيلٍ يُغيّر من طابع المجموعة بأكملها. هذا هو الشعور الذي ساد عرض إيلي صعب للهوت كوتور خريف/شتاء 2026-2027 خلال أسبوع باريس للأزياء الراقية.
للوهلة الأولى، بدا كل شيء وكأنه من تصميم إيلي صعب. فساتين مرصّعة بالترتر تتلألأ تحت الأضواء، وتصاميم منحوتة تُبرز جمال المرأة، بينما تُذكّرنا الذيول الطويلة والتطريزات الدقيقة والزخارف الزهرية الرقيقة لماذا يبقى مصمم الأزياء اللبناني أحد أبرز الأسماء في عالم أزياء السجادة الحمراء. عززت الأقمشة المخملية والشفافة، إلى جانب درجات الخريف الغنية من الأسود والعنابي وألوان الأحجار الكريمة الداكنة، هوية المجموعة الساحرة، بينما برزت الإطلالة رقم 46، وهي فستان وردي ناعم، كإحدى أكثر لحظات العرض تميزاً.

courtesy of Elie Saab
لكن تحت هذا البريق المألوف، طرأ تغيير ما.
على مر السنين، بنى إيلي صعب عالماً متماسكاً بشكل ملحوظ. لطالما كانت المرأة التي يصمم لها أنيقة ورومانسية وأنثوية بكل اعتزاز. إلا أنها بدت هذا الموسم أكثر غموضاً. لم تتغير تماماً، بل قرر المصم أن ينظر إليها من زاوية مختلفة.
لعبت الأجواء دوراً محورياً أيضاً. فقد استوحت المجموعة أجواءها من غموض حفلات التنكّر المقنّعة، وانطلقت ضمن عالم أكثر قتامة ومسرحية مما اعتدنا عليه من الدار. وانعكس هذا المزاج نفسه في عدد من المجموعات التي قُدّمت خلال أسبوع باريس للأزياء الراقية، حيث تحوّلت الإشارات السريالية والسرديات الحالمة إلى ثيمات متكررة.
وأصبحت الأقنعة العنصر المميز للعرض. ارتدتها النساء والرجال على حد سواء، فجذبت الأنظار فوراً دون أن تطغى على الملابس نفسها. بل غيّرت طريقة قراءة المجموعة. فجأةً، بدا فستان إيلي صعب المألوف أقل رومانسية وأكثر غموضاً. لم تعد المرأة التي ترتديه تكشف كل شيء، بل أصبحت تخفي شيئاً ما. تعزز هذا الإحساس بالغموض بإدخال الكورسيه، الذي أضفى على العديد من التصاميم طابعاً أكثر قوةً وجمالًا. فبدلًا من مجرد الاحتفاء بالأنوثة، أوحت هذه الإطلالات بالثقة والسلطة والسيطرة.

courtesy of Elie Saab
ثم جاء دور البدلة السوداء الرسمية، التوكسيدو.
كانت واحدة من تلك اللحظات على مدرج الأزياء التي تغيّر إيقاع العرض فوراً. بدت مفاجِئة، لكنها في الوقت نفسه انسجمت تماماً مع روح المجموعة، موحيةً برؤية أوسع لامرأة إيلي صعب. هذه المرأة لم تعد تُعرَّف فقط من خلال فساتين السهرة المنسدلة وبريق السجادة الحمراء، بل أصبحت قادرة على الانتقال بسلاسة بين النعومة والخياطة الدقيقة، وبين الأناقة والقوة.
ربما يكون هذا هو الإنجاز الأكبر للمجموعة. فبدلًا من التخلي عن هوية الدار، قام إيلي صعب بتوسيعها برفق. حافظت الفساتين على روعتها وتفاصيلها الدقيقة كعادتها، لكنها ظهرت علىى امرأة بدت أكثر تعقيداً من ذي قبل. كانت رومانسية بلا شك، لكنها كانت أيضاً واثقة من نفسها، غامضة، ويصعب على نحو متزايد منحها صفة واحدة.

courtesy of Elie Saab
من نواحٍ كثيرة، واصلت المجموعة اتجاهاً بدأ يتطور بهدوء خلال المواسم الأخيرة. فقد استكشفت مجموعة الهوت كوتور لربيع وصيف 2026 روحاً أكثر تحرراً وبوهيمية، فيما قدّمت مجموعة الأزياء الجاهزة لخريف وشتاء 2026 خياطة أكثر حدة، ولوحات لونية أغمق، ومقاربة أكثر معمارية في تصميم الأزياء. أما عرض الكوتور لخريف وشتاء 2026، فيبدو وكأنه النقطة التي تلتقي عندها هذه الأفكار جميعاً.
نادراً ما تكون التحولات الأكثر نجاحاً في عالم الموضة هي الأكثر صخباً. فهي تحدث تدريجياً، بما يتيح للدار التقدّم من دون أن تفقد بصمتها الأساسية التي جعلتها مميزة منذ البداية. وهذا تحديداً ما حققه إيلي صعب هذا الموسم. فبدلاً من إعادة ابتكار المرأة التي يصمم لها، كشف عن جانب آخر منها، جانب لا يقل أناقة، لكنه أكثر إثارة للاهتمام.