A7 Magazine

    • هل يروي زهير مراد قصة بيروت من دون أن يذكرها؟

      هل يروي زهير مراد قصة بيروت من دون أن يذكرها؟

      • 15 July 2026
      • بقلم Norah Nagi
        المقال مكتوب باللغة العربية
    • يقدم زهير مراد عالمًا لا يمنح إجابات نهائية، بقدر ما يتركنا أمام سؤال يبدو أكثر إثارة من أي تفسير جاهز: إلى أي مدى تستطيع الأزياء أن تروي حكاية، حتى عندما نصمت عن الكلمات

  • هل يروي زهير مراد قصة بيروت من دون أن يذكرها؟

    Courtesy of Zuhair Murad

 

لم يبدأ عرض زهير مراد للأزياء الراقية لخريف وشتاء 2026-2027 مع أول فستان، لكنه يبدأ مع مساحة غارقة في العتمة. داخل قاعة Collège des Bernardins التاريخية، ملأ الدخان المنصة، بينما خرجت العارضات من فتحة مضيئة وسط الجدار الحجري، كما لو أنهن يعبرن من عالم إلى آخر. بدت البداية أقرب إلى افتتاحية فيلم فانتازي منها إلى عرض هوت كوتور؛ عالم تهيمن عليه الظلال، والألوان الداكنة، والحضور المسرحي الذي يسبق الملابس نفسها.

 

لكن بمجرد أن تبدأ الإطلالات في الظهور، يصبح واضحًا أن الظلام ليس مجرد وسيلة لإبهار الجمهور. إنه جزء من اللغة التي اختار زهير مراد أن يتحدث بها هذا الموسم. الأسود، والعنابي، والأخضر العميق الذين يصنعون مزاجًا بصريًا، وكذلك يخلقون إحساسًا بالثقل والهدوء معًا، بينما تبدو القصات أكثر انضباطًا مما اعتدناه من المصمم اللبناني، الذي لطالما ارتبط اسمه بالبريق الفوري والدراما الواضحة.

 

حتى التطريزات، وهي إحدى أبرز علامات زهير مراد، تؤدي دورًا مختلفًا هنا. فهي لا تسرق الانتباه بقدر ما تتسلل خارجة من العتمة، كأن الضوء نفسه يولد من داخل القماش، لا من خارجه. والنتيجة أن المجموعة تبدو أقل احتفاءً بالفخامة، وأكثر اهتمامًا ببناء شخصية كاملة.

 

 

Courtesy of Zuhair Murad

 

 

 

 

هذا الإحساس يتعزز مع التفاصيل السريالية التي تظهر طوال العرض. الفراشات لا تحط على الفساتين، بل تستقر فوق الأفواه، والريش لا يضيف نعومة رومانسية، بل يمنح الإطلالات حضورًا مهيبًا، فيما تجعل الخطوط الطويلة والطبقات المتعددة العارضات أقرب إلى مخلوقات خرجت من أسطورة قديمة منها إلى بطلات حكايات خيالية مألوفة.

 

وهنا تبدأ المجموعة في طرح أسئلتها الخاصة. فهذه الرموز لا تبدو مباشرة بما يكفي لتقدم تفسيرًا واحدًا. وجود الفراشات على الفم، على سبيل المثال، يفتح الباب أمام قراءات متعددة؛ هل هي علامة على التحول؟ أم على صوت يولد من جديد؟ أم مجرد عنصر بصري يضيف غرابة مقصودة؟ وزهير مراد لا يحاول حسم هذه الأسئلة، بل يتركها معلقة، كما يترك المشاهد يبحث عن قصته الخاصة داخل العرض.

 

بعد مشاهدة المجموعة، تبدو العودة إلى تصريحات المصمم عن المجموعة خطوة تكشف طبقة جديدة من العمل. يصف مراد بطلة مجموعته بأنها امرأة تعيش في عالم ينهار، لكنها تخرج منه أكثر قوة، محتفظة برقتها وقدرتها على الحب. القراءة تنسجم مع كثير من عناصر العرض، لكنها تطرح سؤالًا نقديًا مهمًا: هل ستروي الأزياء وحدها القصة نفسها لو لم يسبقها هذا الشرح؟
الإجابة ليست بسيطة. فالمجموعة تنجح بصريًا في بناء عالم متماسك، وتنجح في خلق إحساس واضح بالتحول والسيطرة والحضور. لكن بعض الرموز تظل مفتوحة أكثر مما هي محددة، وهو ما يجعل القصة المكتوبة خلف المجموعة تؤدي دورًا مهمًا في توجيه القراءة، لا في صناعتها بالكامل. فالملابس لا تعتمد عليه كي تبدو مؤثرة، لكنها أيضًا لا تحمل كل طبقاته السردية بمفردها.

 

 

 

Courtesy of Zuhair Murad

 

 

 

وربما هنا يكمن الجانب الأكثر إثارة في المجموعة. فهي لا تحاول ترجمة الألم أو الصمود ترجمة مباشرة، ولا تقدم استعارات واضحة عن الحروب أو الانهيارات أو النجاة. وإنما تستخدم لغة أكثر تجريدًا، تجعل هذه الأفكار ممكنة، من دون أن تجعلها القراءة الوحيدة المتاحة. وهذا ما يمنح العرض قدرة على تجاوز سياقه المباشر؛ فمن يعرف شيئًا عن زهير مراد، وعن بيروت، قد يرى فيه انعكاسًا لتجربة مدينة اعتادت النهوض بعد كل سقوط، بينما قد يقرأه آخرون بوصفه حكاية عالمية عن التحول والقوة وإعادة اكتشاف الذات.

 

وربما لهذا لا تبدو Love and Dominion مجموعة عن الظلام بقدر ما هي مجموعة عن الخروج منه. لا لأن المصمم نفسه يخبرنا بذلك، بل لأن الأزياء تلمّح إليه، حتى لو لم تصرح به بالكامل. بين الدخان، والضوء، والريش، والفراشات، يقدم زهير مراد عالمًا لا يمنح إجابات نهائية، بقدر ما يتركنا أمام سؤال يبدو أكثر إثارة من أي تفسير جاهز: إلى أي مدى تستطيع الأزياء أن تروي حكاية، حتى عندما نصمت عن الكلمات؟