A7 Magazine

    • رامي العلي.. الأزياء الراقية لخريف وشتاء 2026-2027: التراث في حركة

      رامي العلي.. الأزياء الراقية لخريف وشتاء 2026-2027: التراث في حركة

      • 14 July 2026
      • بقلم Norah Nagi
        المقال مكتوب باللغة العربية
    • في مجموعة “خيوط من نور: فجر جديد” للأزياء الراقية لخريف وشتاء 2026-2027، يعيد رامي العلي قراءة الشماغ العربي بوصفه أكثر من مجرد قطعة تراثية، محولًا إياه إلى لغة بصرية معاصرة تحمل معاني الهوية والانتماء والتجدد. ومن خلال تفكيك الرمز وإعادة صياغته داخل تصاميم انسيابية ونحتية، يطرح العرض سؤالًا يتجاوز الموضة: كيف يمكن للتراث أن يتطور ويعبر الحدود من دون أن يفقد روحه؟

  • رامي العلي.. الأزياء الراقية لخريف وشتاء 2026-2027: التراث في حركة

    Courtesy of Rami Al-Ali

 

 

 

في اللحظة التي خرجت فيها أولى عارضات رامي العلي من الفتحة المضيئة المنحوتة في قلب الجدار الأبيض الناصع، وكأنها تولد من العدم، دعا العرض إلى البحث عن معنى جديد للحرية. وعلى منصة أسبوع باريس للهوت كوتور، تحولت الفساتين إلى لغة تجعل القماش حركة، والذاكرة شكلًا، والهوية قوة لا تثقل الجسد، بل تمنحه القدرة على التحليق.

 

بدت العارضة وكأنها تسير على الماء، فيما اكتسبت الثنيات الرقيقة حياة خاصة بها. وكانت كلمات مثل الانسيابية، والتحليق، والإيقاع، والحركة تشكل المفردات البصرية التي صاغ بها رامي العلي مجموعته. لكن هذه اللغة تقود سريعًا إلى سؤال أكثر تعقيدًا: ماذا يحدث عندما يُعاد تقديم أحد أكثر رموز الحياة العربية اليومية رسوخًا، الشماغ، في قالب الأزياء الراقية على منصة باريس؟ هل يتحول إلى رمز عالمي قادر على حمل معناه أينما ذهب، أم يترك جزءًا من ذاكرته الثقافية خلفه بمجرد اقتلاعه من سياقه الأصلي؟

 

 

Courtesy of Rami Al-Ali

 

 

 

تحمل المجموعة عنوان “خيوط من نور: فجر جديد”، وهي، بحسب العلي، تعكس الروابط الإنسانية والثقافية التي ما تزال تجمع شعوب المنطقة رغم الحدود الجغرافية. وقد يبدو النور موضوعًا مألوفًا في عروض الأزياء، لكنه يأتي هنا بعد سنوات من الاضطرابات التي شهدها الشرق الأوسط، ليصبح أكثر من مجرد رمز للجمال؛ إنه رمز للتجدد، حيث يلتقي الأمل بالذاكرة، ويلتقي الانتماء بالرغبة في المضي قدمًا.

 

لكن أكثر ما يجعل هذه المجموعة لافتة هو الطريقة التي يعيد بها رامي العلي التفكير في هذا الرمز المألوف. فهو لا يقدمه كما نعرفه، ولا يعيد إنتاجه حرفيًا، وإنما يفككه أولًا ثم يعيد بناءه. تتحول شبكاته الهندسية إلى طيات متدفقة، وتتطور حوافه إلى خطوط معمارية انسيابية، بينما تختفي وظيفته اليومية، ولا يبقى سوى لغته البصرية المنسوجة داخل الفساتين.

 

فالشماغ، بوصفه غطاء رأس تقليديًا، أكبر بكثير من مجرد نقشة هندسية. لقد وُلد من الحاجة، وصُمم لحماية الإنسان من شمس الصحراء ورمالها وبرودتها، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى أحد أبرز رموز الهوية والانتماء في الخليج وبلاد الشام وأجزاء واسعة من العالم العربي. ولهذا، فإن إعادة تقديمه على منصة باريس ليست قرارًا جماليًا فحسب، بل هي أيضًا موقف ثقافي.

 

 

Courtesy of Rami Al-Ali

 

 

 

ولا يبدو أن رامي العلي مهتم بتقديم إجابة حاسمة. بل يترك الملابس تتحدث بنفسها. تبدو العارضات وكأنهن يولدن من الضوء، ويحملن التراث العربي لا بوصفه حنينًا إلى الماضي، وإنما باعتباره إرثًا قابلًا لإعادة الاكتشاف. وتتفتح الطيات والطبقات والباتشوورك والتطريزات، إلى جانب القصات الانسيابية والخطوط النحتية، لتشكل أجنحة تنبت من الجسد نفسه. وهكذا يتحول الشماغ من قطعة كانت تحمي الجسد من الصحراء إلى رمز يمنحه القدرة على التحليق، فيستبدل الحماية بالتحرر، والثبات بالحركة.

 

وتحمل الفساتين إشارات رقيقة إلى المشهد الثقافي العربي؛ آفاق الصحراء عند الفجر، والخليج وهو يلتقط أول خيوط النهار، والعمارة التقليدية، والحرف اليدوية، والذاكرة الجمعية، وإيقاعات الشعر والموسيقى. بعض هذه الإشارات يبدو واضحًا، فيما يبقى بعضها الآخر مقصودًا في غموضه، ليترك المجال مفتوحًا أمام التأويل بدلًا من فرض حكاية واحدة.

 

وربما هنا تكمن القوة الحقيقية للمجموعة. فهي لا تختزل التراث في زخرفة، ولا تستخدم هذا الرمز المألوف باعتباره اختصارًا بصريًا سهل القراءة، وإنما تتعامل معه كلغة تصميم يمكن إعادة قراءتها باستمرار. قد يرى البعض أن هذا التحول يبعد الرمز عن سياقه الأصلي، بينما قد يعتبره آخرون دليلًا على أن الهوية الحية ليست هوية جامدة، بل هوية قادرة على التطور من دون أن تفقد جذورها.

 

فالفن نادرًا ما يقدم رسائل مباشرة أو إجابات نهائية، وإنما يترك فينا ذلك الإحساس المراوغ؛ رجفة هادئة أمام لوحة استثنائية، أو تسارعًا مفاجئًا في نبض القلب عند سماع مقطوعة موسيقية للمرة الأولى. وهذا تحديدًا ما يحققه رامي العلي في هذه المجموعة. فهو يتركنا معلقين بين الهشاشة والقوة، وبين الرقة والفخر، ويدعونا إلى إعادة التفكير في القيم التي ما تزال توحدنا: الجمال، والحرفية، والانتماء، والأمل.