وصل أسبوع باريس للهوت كوتور خريف وشتاء 2026–2027 محمّلاً بالكثير من التوقعات. فبعد فترة بدت فيها الأزياء الراقية أقرب إلى طقوسٍ روتينية تتكرر من عام إلى آخر، جاء هذا الموسم ليؤكد لنا بأن الأناقة مازالت قادرة على الإبداع. وبينما استعان بعض المصممين بالقصص الخيالية لبناء مجموعاتهم الجديدة، استمدّ آخرون الإلهام من أفكار غريبة غير متوقعة لتقديم تصاميم تخاطب العقل وتجعلنا نطرح الكثير من الأسئلة.
مجموعة جوناثان أندرسون لـDior

@Dior, Lynda Benglis Foundation
لم يكن أندرسون يوماً مهتماً بالخيارات الآمنة، وقد أكد عرضه الثاني من الهوت كوتور لـDior أن الدار بين يدي شخص يتمتع برؤية فنية مميزة. اختار المصمم أن يطرح فكرة تداخل الفن بعالم الأناقة من خلال من أعمال النحّاتة الأميركية ليندا بنغليس، حيث حوّل مشغله إلى مختبر، فقام بطي وتشكيل وتنسيق الأقمشة حتى تحولت المنحوتات إلى ملابس مستوحاة من أعمال بنغليس. تطورت سترة “بار” من خلال قماش رمادي منقط وشراريب من التويد الأخضر قبل أن تتلاشى في ذيل من الشيفون الأبيض. كما أعيد تصميم معطف أريزونا من عام 1948 من خلال طيات فنية. ما جمع كل هذه العناصر معاً هو رفض أندرسون التعامل مع التراث كغاية في حد ذاته، حيث استخدم الأرشيف كنقطة انطلاق ليبني عالماً جديداً بكل معنى الكلمة.
مجموعة ماتيو بلازي لـChanel

Chanel@
إذا كانت مجموعة بلازي الأولى لـChanel بمثابة مقدمة، فإن مجموعته الثانية كانت بمثابة إعلان كامل عن نواياه. استوحى بلازي مجموعته من قصة جاك وشجرة الفاصولياء السحرية، مع عارضة تحمل كتاباً قديماً عُثر عليه في شقة كوكو شانيل في شارع كامبون. يكمن السحر في التفاصيل: أزرار ذهبية تعكس الضوء، وبطانات ملونة مخفية، وزهور ثلاثية الأبعاد، وقبعات من القش تُرتدى ببساطة وكأن شخصاً لم يبذل جهداً كبيراً في حياته. ما يفهمه بلازي عن شانيل هو أن رموزها لغة وليست مجرد نصب تذكاري. فهو لا يحافظ عليها، بل يتحدث من خلالها.
مجموعة بييرباولو بيتشولي لـBalencaiga

Balenciaga@

Balenciaga@
لم يكن السير على خطى ديمنا بالأمر الهين. لم يحاول بيتشولي تقليد أو محو ما سبقه، بل عاد إلى كريستوبال بالنسياغا نفسه: القصات المعمارية، والأحجام النحتية، والجرأة الهادئة لقطعة ملابس تُناسب الجسم وفقاً لخصائصه. أعاد بيتشولي تفسير هذه العناصر من خلال حساسيته، التي لطالما فضّلت العاطفة على الإبهار، فحوّل الأكتاف العريضة إلى تصاميم انسيابية، وظهرت القطع ذات التصميمات الهندسية بجانب قطع أخرى بدت شبه مدنية. مجموعة لم تكن صاخبة، وهذا ما زادها قوة.
مجموعة دانيال روزبيري لـSchiaparelli

Shiaparelli@

Shiaparelli@
في مجموعة هوت كوتور خريف وشتاء 26-27، اختار روزبيري العودة إلى جوهر Schiaparelli الحقيقي الذي يقوم على السريالية، التحوّل، وتخطي كل التوقعات. لم يكن هدفه تقديم أفكار صادمة لمجرد لفت الانتباه، بل البحث عن طريقة جديدة لفهم علاقة الموضة بالجسد. ولهذا، لم يلتزم بالخامات التقليدية، بل استعان بمواد غير مألوفة مثل السيليكون، والأصداف الطبيعية، وقشور الأسماك المعالجة، والزهور المحفوظة، ليحوّل هذه العناصر إلى تفاصيل تدخل في صناعة الكوتور. في المقابل ظهر نوع من التوازن على مدرج العرض، تجلى في استخدام المصمم للشكل الهيكلي من خلال الأكتاف القوية والقصات المنحوتة والسراويل الانسيابية مع الكورسيهات التي عادت لتتصدر المشهد. كان واضحاً أن المصمم يحرص على الموازنة بين إرث الدار العريقة وبين اللمسات التي تعطينا فكرة عن مستقبل الأناقة.
مجموعة Robert Wun

RobertWun@

RobertWun@
ينظر وون إلى الأزياء الراقية كوسيلة لسرد القصص لا كمنصة لعرض الإنجازات التقنية. بُنيت مجموعته حول الطفولة، لا بدافع الحنين إلى الماضي، بل بمنطق هيكلي، حيث تبدأ باللون الأبيض الناصع مع زخارف الفراشات قبل أن تنتقل إلى ألوان زاهية وأشكال هندسية مستوحاة من الألعاب الخشبية. كان التصميم استثنائياً: أحجام غير مألوفة، وتصاميم ظلية سريالية، وفستان حورية بحر أحمر مع مشد كروي يوازن بين الطابع المسرحي والهندسة الدقيقة. لكن ما يبقى في الذاكرة ليس الطموح التقني بقدر ما هو الطموح العاطفي. فـوون يمنح الهوت كوتور إحساساً بالحاجة والضرورة، بطريقة نادرة وصادقة.
مجموعة Vicktor & Rolf

Viktor&Rolf@

Viktor&Rolf@
كانت فكرة “Gilded Age 2.0” مجموعة العصر واضحة تماماً: نفس التصاميم، مُنفّذة مرتين. مرة بقماش فاخر، ومرة أخرى بقماشٍ مُهترئ، وغير مثالي، يبدو عادياً ومتعمداً في بساطته. بقيت التصاميم متطابقة، ولم يتغير سوى القماش. كان السؤال الذي يُخيّم على المجموعة بأكملها بسيطاً ومُقلقاً في الوقت نفسه: هل تساهم جودة القماش في تحديد قيمة الفكرة؟ في عالم الموضة الذي يقيس القيمة أكثر فأكثر من خلال الظهور والانطباع الخارجي، كان طرح هذا السؤال أمراً ثورياً ومتمرداً. فبحسب دار Viktor & Rolf أن الأناقة لا تكمن في القماش، بل في الفكرة التي تقف خلفه.
مجموعة دوران لانتينك لـJean Paul Gaultier

JeanPaulGaultier@

JeanPaulGaultier@
وإذا كان هذا الموسم قد أثبت شيئاً، فهو أن الهوت كوتور يكون في أفضل حالاته عندما يتوقف المصممون عن التساؤل عمّا يفرضه عليهم هذا الفن من قواعد، ويبدأون في اكتشاف ما يمكنهم فعله فعلياً من خلاله. في هذه المرة، بدا أسبوع باريس للهوت كوتور وكأنه يحمل إجابة واضحة، لا مجرد أسئلة مفتوحة.