الأوطان حاضرة دائماً في أعمال الفنانين والمبدعين، ولكن ما الذي يجعل مكاناً ما يُشعرنا بالانتماء إليه كما لو أنه جزء منا؟ أحياناً، نتذكر هذه الأوطان من خلال الألوان التي علقت في ذاكرة الطفولة، وأحياناً من خلال مناظرها الطبيعية التي لا تشبه مكاناً آخر، وآحياناً أخرى من خلال أصغر تفاصيل الحياة اليومية التي لمست شيئاً عميقاً في قلوبنا، والتي تصبح ذكراها أكثر تأثيراً وعمقاً عندما نكون في الغربة. هذه الذكريات ومصادر الإلهام غالباً ما نجدها حاضرة في أعمال الفنانين اللبنانيين، حيث تتخذ أشكالاً مختلفة باختلاف الأجيال التي ينتمون إليها. هذه الروابط التي تبقينا متصلين بالوطن، هي جوهر موسم المعارض الجديد في مؤسسة بسام فريحة للفنون في أبوظبي، حيث يبدو فيه لبنان حاضراً بقوة، لكن ليس كمكان نعيش فيه فقط، بل أيضاً كشعور يرافقنا باستمرار.

Images: Paul Guiragossian, Femmes en Conversation, Pourpre
يُشكّل معرض “بول غيراغوسيان: مئة عام من الفن” جوهر هذه الفعالية، وهو معرض يُقام بمناسبة مرور مئة عام على ميلاد الفنان، ويُقدّم نظرةً شخصيةً على أحد أهمّ الشخصيات في الفن اللبناني الحديث. وُلد غيراغوسيان في عائلة أرمنية تأثرت بالتهجير، وانتقل من يافا إلى لبنان عام 1948. من خلال لوحاته، استكشف الجسد البشري، وحياة العائلة، والروابط التي تجمع الناس. لذا يتجاوز هذا المعرض شهرة الفنان، ليكشف عن الإنسان الذي يقف وراء أعماله، من خلال لوحات ومقتنيات عائلية خاصة نادراً ما عُرضت خارج لبنان. كما يتتبّع المعرض تأثير ثلاثة أجيالٍ من النساء في حياته: والدته راحيل، وزوجته جولييت، وابنته مانويلا.

Image: Lana Khayat
فكرة الوطن الذي نحمله في داخلنا، تتجسّد أيضاً في معرض “جذور قبل البتلات”، الذي يجمع الذي يجمع الفنانة المعاصرة لانا خياط في حوار مع الفنانتين اللبنانيتين المعاصرتين إيتيل عدنان وهيلين خال. فأعمالهن ترمز إلى الوطن من دون أن تجسّده تجسيداً حرفياً. فقد عادت عدنان بأعمالها إلى ذكريات من الماضي، وتحديداً إلى جبل كانت تراه من نافذتها في كاليفورنيا. أما خال، فقد استمدت الوحي من الزهور والألوان، وكتبت عن ضوء لبنان المميز الذي افتقدته أثناء إقامتها في الخارج، فيما نقلت خياط هذا الحوار إلى الحاضر من خلال سلسلة من اللوحات المستوحاة من النباتات والزهور ثلاثية الأبعاد، والتي تحوّل المعرض إلى ما يشبه الحديقة المليئة بالرياحين. وبدلاً من مجرد اتباع الفنانين الذين أعجبت بهم على طول مسيرتها الفنية، فقد انطلقت من إرثهم، لتقدّم أعمالها بأسلوبها الخاص.

Images: Alfred Basbous
ثم يأتي ألفريد بصبوص، أشهر النحاتين اللبنانيين، والذي تقدم أعماله منظوراً آخر للعلاقة بين الفن والهوية. نشأ بصبوص في عائلة من نحّاتي الحجر في قرية راشانا اللبنانية، فحوّل الحجر والرخام والخشب والبرونز إلى أشكال بشرية مبسّطة. ورغم ثقل هذه المواد، تبدو أشكاله خفيفة بشكل ملحوظ ومليئة بالحركة.
ما يجمع هؤلاء الفنانين ليس صورة واحدة للبنان، بل الطرق المختلفة التي يفهمون بها معنى الانتماء. بالنسبة لغيراغوسيان، يتجسد هذا البحث من خلال الناس والروابط التي تجمعهم. أما بالنسبة لعدنان وخال، فيظهر من خلال الطلبعة والضوء. أما بصبوص، فيُعبّر عنه من خلال الشكل البشري والخصائص الفيزيائية للمواد التي يعمل بها. تُذكّرنا مناهجهم بأن الهوية نادراً ما تكون ثابتة أو سهلة التحديد، بل تتطور من خلال ما نتذكره، وما نفقده، وما نختار الاحتفاظ به. الفن يمنح هذه التجارب شكلاً وتعبيراً ظاهرين، مما يسمح للذكريات الشخصية بالتحدث إلى أناس ربما عاشوا حياة مختلفة تماماً.

Image1: Paul Guiragossian, Image2: Alfred Basbous
وربما هذا ما يجعل الفن قادراً، بطرقه الخاصة، وأساليب تعبيره المختلفة، على تجسيد فكرة الانتماء والحنين إلى الوطن. فالأرض التي ننتمي إليها لا تُختصر في مشهد مألوف أو معالم نعرفها، بل يمكن أن نستحضرها من خلا ملامح وجه، أو زهرة، أو خط، أو لون يعيد إلينا ذكريات بعيدة. وأحياناً، تنجح هذه التفاصيل البسيطة في اختصار علاقتنا بالوطن أكثر مما تفعل أي خريطة.