نكتب هذا المقال بعد رحلة إلى جنوب فرنسا استضافتنا خلالها Dior، حيث أتيحت لنا الفرصة لاكتشاف مشروع DIORIGINALS والتحدث مع مبتكر العطور فرانسيس كوركدجيان عن قرب.
ثمة شيءٌ حميمي في استنشاق عطر ابتُكر قبل أن نرى النور بزمن طويل. فعلى عكس الصورة أو الفستان، يُمكن للعطر أن يُعيد إحياء أجواء حقبة ماضية على الفور تقريباً. يُمكنه أن يجعل التاريخ يبدو قريباً منا وكأننا نلمسه بأيدينا.
كانت هذه إحدى الأفكار التي راودتني مراراً خلال رحلتنا لاكتشاف DIORIGINALS، وهو مشروع مُخصص لإعادة إحياء 13 عطراً تاريخياً من عطور الدار، وللقاء فرانسيس كوركدجيان، مدير قسم ابتكار العطور في Dior، والاستماع إلى منهجه في هذه المهمة.

Image: Courtesy of Dior
أقيم الحدث في Cabris، وهي قرية تقع في التلال فوق غراس، في منزل إدموند رودنيتسكا السابق، صانع العطور الذي لا يزال عمله محورياً في تراث Dior للعطور. كانت التجربة فريدة من نوعها. لقد سبق أن استضافتنا الدار في فرنسا لتعريفنا عن كثب على ابتكاراتها الجديدة. لكن هذه المرة، كل شيء يبدو مختلفاً. فليس هناك أي منتج جديد تستعد الدار لطرحه في الأسواق، بل إعادة اكتشاف منتجات قديمة، والعودة بالزمن إلى الوراء عكس الزمن، لتتبّع ما تركه الأسبقون. فمشروع DIORIGINALS يدور فعلياً حول استعادة الماضي واختباره من جديد، من وجهة نظر عصرية.
وبحسب كوركدجيان: “أردنا العودة إلى الجوهر الأصلي لهذه العطور، وإلى ما أراده مبتكروها أن تكون عليه منذ البداية، بدلاً من طرح نسخ حديثة منها”.
قد يبدو الأمر بسيطاً، لكن في الحقيقة، ترميم عطر قديم ليس أمراً يسيراً. قد تبقى تركيبة العطر محفوظة في الأرشيف، لكن المواد التي تُضفي عليه الحياة لا تبقى على حالها. مع الوقت، يتغير الموّردون، وتختلف المواد الطبيعية من موسم حصاد لآخر، فيما تفرض القوانين قيوداً تدريجية على المكونات التي كانت جزءاً من التركيبة الأساسية. على مدى عقود، تتراكم هذه التغييرات الصغيرة وتفرض نفسها على تركيبة العطر التي لا تبقى على حالها.

Image: Courtesy of Dior
لكن من هنا يبدأ الترميم بالنسبة لكوركدجيان الذي يشرح: “أتعامل مع الأمر كما يتعامل مرممو الأعمال الفنية مع اللوحات أو المنحوتات الأثرية”، ثم يتابع: “الهدف ليس إضافة لمستي الشخصية على العطر، بل إزالة ما أُضيف إليه عبر الزمن وإعادة العمل على التركيبة التي تشبه تركيبته الأساسية”.
كانت عودته إلى أرشيف Dior، ولا سيما ما يتعلق بابتكارات إدموند رودنيتسكا، من أكثر جوانب هذه الرحلة إثارة للاهتمام. عمل رودنيتسكا مباشرةً مع كريستيان ديور وأطلق العديد من العطور الأيقونية. بالنسبة لكوركدجيان كان تأثيره بمثابة تغيير جذري في صناعة العطور نفسها، ويضيف: “لم يكن مجرد صانع عطور موهوب، بل كان من القلائل الذين عملوا مباشرةً مع كريستيان ديور.. اليوم عندما نتحدث عن عطور Dior، يمكن القول إن هناك مرحلة ما قبل رودنيتسكا ومرحلة ما بعده”.
تُتيح العطور نفسها طريقة رائعة لتتبّع هذا التطور. ينتمي عطر Diorama (1949)، أحد أوائل إبداعات رودنيتسكا للدار، إلى عالم عطور الشيبر الزهرية الغني والمعقد. في المقابل، يجمع عطر Eau Fraîche (1955) بين نفحات الحمضيات المنعشة، بما في ذلك البرغموت والليمون واليوسفي والبرتقال، مع مزيج عطري مميز من الريحان والطرخون. أما عطر Diorissimo (1956) فيتّبع نهجاً مختلفاً، إذ يُعيد ابتكار رائحة زنبق الوادي الزهرية الخضراء الرقيقة، مدعومةً بالورد والياسمين والإيلنغ والصفير. لكل عطر شخصيته الخاصة، ويحمل كل منها جانباً من رؤية مبتكره وفهمه لـلعطور.
يقول كوركدجيان أن أكثر ما أثار إعجابه شخصياً لم يكن ما ابتكره رودنيتسكا فقط، بل أيضاً الطريقة التي عمل بها لابتكار عطوره. ففي ذلك الوقت، كان صانعو العطور يعتمدون على مزج قواعد عطرية جاهزة فوق بعضها البعض. لكن رودنيتسكا اختار مساراً مختلفاً، فبنى تركيباته مكوناً تلو الآخر، ومادة خام تلو الأخرى. ويضيف: “هذا النهج منح صانع العطور سيطرة كاملة على التركيبة. وهي الطريقة التي نعمل بها في صناعة العطور الحديثة اليوم”.
من هذا المنطلق كان التعرف على مجموعة DIORIGINALS عن كثب عبارة عن رحلة لاستكشاف كيفية تطور صناعة العطور نفسها عبر الزمن.

Images: Courtesy of Dior
تنقسم المجموعة إلى فصلين يعكسان فترات مختلفة من تاريخ عطور ديور. يغطي الفصل الأول، Dior in Grasse الفترة من عام 1949 إلى عام 1972، ويضم عطور Diorama (1949)، و Eau Fraîche (1955)، و Diorissimo (1956)، و Diorling (1963)، و Diorella (1972). أما الفصل الثاني، ” Dior in Paris فيمتد من عام 1979 إلى عام 2003، ويضم عطور Dioressence (1979)، و Jules (1980)، وDune (1991)، وDolce Vita (1995)، و Dune pour Homme (1997)، و Higher (2001)، و Forever and Ever (2002)، و Higher Energy (2003). يوسع هذا الفصل الثاني نطاق القصة ليتجاوز روائع ديور المبكرة، متتبعًا كيف استمرت هوية عطور الدار في التطور حتى نهاية القرن العشرين وبداية الألفية الجديدة.
وهناك أيضاً جانب عملي لهذه العملية. يؤكد كوركدجيان أن استعادة تركيبة تاريخية لا تعني إعادة إنتاجها بشكل أعمى. فالقوانين الجديدة قد تجعل ذلك مستحيلاً، ويجب أن تكون السلامة هي الأولوية القصوى، وأضاف: “السلامة تأتي أولاً، دائماً، ولا يمكن لأي قيمة تراثية أن تتقدم على سلامة مستخدمي العطر”.

Images: Courtesy of Dior
برز التحدي إذاً، في العثور على مادة تؤدي الدور نفسه من دون أن تغيّر توازن التركيبة. ومع الوقت تحولت التكنولوجيا إلى جزء أساسي من هذه العملية، إذ أصبحت تتيح للعطارين التعامل مع المواد الخام بدقة أكبر، واستعادة خصائص عطرية اختفت تدريجياً مع مرور الوقت.
وفي بعض الأحيان، كان الأرشيف نفسه يحمل مفاجآت. فبحسب كوركدجيان، كشفت مقارنة التركيبات الأصلية بالعطور التي بيعت على مر السنين أحياناً، عن إضافة بعض العناصر لاحقاً، والتي لم تكن جزءاً من التركيبة الأصلية.
هذه التفاصيل تقول الكثير عن هشاشة تراث العطور. فقد يتمكن عطر كلاسيكي من الحفاظ على وجوده في السوق لعقود عدة، ومن دون أن نلاحظ، قد يبدأ تدريجياً في الابتعاد عن هويته الأصلية.
وبحسب كوركدجيان، انطلق مشروع DIORIGINALS للتصدي لهذا النمط: “هذا ليس مشروعاً إبداعياً بالمعنى التقليدي. كان دوري هو إيجاد نقطة البداية الصحيحة: العودة إلى التركيبة الأصلية قدر الإمكان، لا إعادة تفسيرها بأسلوبي الخاص”.

Image: Courtesy of Dior
ومع ذلك، أصبح للمشروع طابعاً شخصياً أيضاً. فقد تحدث كوركدجيان مع عطّارين عملوا على عطور Dior في الماضي، وتواصل مع ميشيل، نجل إدموند رودنيتسكا، للتأكد من أن إرث والده يحظى بالاحترام الذي يستحقه.
ويشرح: “لقد كانت رحلة في ذاكرة الدار.. بالنسبة لي، كان هذا المشروع بمثابة عمل توثيقي بقدر ما كان عملاً في مجال صناعة العطور”.
يمتدّ إحساس الاستمرارية إلى التغليف. تُقدّم جميع العطور الثلاثة عشر في زجاجة Dior البيضاوية، التي طُرحت لأول مرة عام 1948 وصمّمها سيرج هيفتلر-لويش، المؤسس المشارك وأول مدير لعطور Christian Dior يستحضر زجاجها الشفاف وسدادتها المستديرة والحبل الأبيض حول عنقها أولى إبداعات الدار في عالم العطور. بالنسبة لعطر DIORIGINALS، تعود الزجاجة بملصق ذي ملمس مميز مستوحى من تصميمها البيضاوي الأصلي وحلقة معدنية محفورة بدقة تحمل شعار CD لتذكرنا بأن الحفاظ على هوية العطر لا يقتصر على تركيبته، بل قد يبدأ أيضاً من إعادة إحياء الوعاء الذي حمله إلى العالم للمرة الأولى.
لذا كان انطباعي وأنا أستكشف كل هذه التفاصل أن Dior حملت على عاتقها مسؤولية الحفاظ على شيءٍ غير ملموس كالعطر، رغم أن تراث العطور قد يكون أكثر هشاشة من تراث الأزياء. فالفستان يُمكن وضعه في الأرشيف، والزجاجة يُمكن أن تبقى سليمة، لكن العطر بداخلها يتعرض باستمرار لتغيرات المواد والمناخ والتكنولوجيا، وهذا ما يجعله مادة يصعب السيطرة عليها والحفاظ على مكوناتها.
DIORIGINALS هي حتماً محاولة لإبقاء هذا التاريخ الخفي حياً، ليس بتحويله إلى شيء جديد، بل بمنح هذه العطور فرصةً لأن نتمكن من فهمها وشمها من جديد، على نحو أقرب إلى ما أراده لها مبتكروها منذ البداية.