بالنسبة للجود لوتاه، التراث الإماراتي ليس شيئاً يتطلّب مَن يعيد إنتاجه، بل يشكّل دائماً مصدر وحي ومنطلق لأفكار جديدة. المصممة متعددة التخصصات والمقيمة في دبي، تعمل على توظيف الهندسة والمواد والأشكال لتحويل المراجع الثقافية إلى قطع فنية معاصرة تجمع بين الأصالة والعالمية. من الأشكال المطوية في تصميم Oru المستوحاة من فن الأوريغامي، إلى إعادة تفسير Tebr للنقوش الخشبية التقليدية، يوازن عملها بين الحرفية والتجريب، وبين الذاكرة والحداثة. هذه النظرة الفنية الخاصة، منحت تصاميمها بُعداً ثقافياً وقدمت صورة جديدة عن الفن الإماراتي أمام العالم، وهذا ما دفع بالمعرض الوطني لفيكتوريا في ملبورن لاقتناء العديد من أعمالها، فضلاً عن اختيارها من قبل العديد من العلامات الراقية للتعاون معها في أكثر من مشروع.
في هذه المقابلة مع الجود لوتاه نتحدث عن الهوية، والترجمة الثقافية، وكيفية تسليط الضوء على القصص المحلية بحيث تلقى صدى عالمياً.

Image: Courtesy of Aljoud Lootah
عندما تصفين التصميم بأنه لغة عالمية لسرد قصص الإمارات، ما الذي تريدين من مقتنٍ في لندن أو ملبورن أن يفهمه عندما تصل إليه إحدى قطعك من دبي؟ وما الذي لا تمانعين في ألا يفهمه؟
أعتقد أن جمال التصميم يكمن في قدرته على التواصل من دون الحاجة بالضرورة إلى شرح. عندما تغادر إحدى قطعنا الإمارات، أريد للناس أن يقدّروها أولاً بوصفها قطعة تصميم، من خلال شكلها وموادها وحرفيتها، والشعور الذي تتركه لديهم. بالطبع، تحمل كل قطعة قصة، غالباً ما تتجذر في ثقافتنا أو تراثنا أو ذكرياتنا الشخصية. وأتمنى أن تثير هذه القصة فضول من يقتني القطعة، وربما تدفعه إلى اكتشاف شيء جديد عن الإمارات لم يكن يعرفه من قبل. لكنني لا أعتقد أن فهم كل الإشارات الثقافية شرط لتقدير العمل. فهناك تفاصيل دقيقة وذكريات ومشاعر قد لا يتفاعل معها بالقدر نفسه إلا مَن نشأ هنا، وأنا لا أمانع ذلك. بالنسبة إليّ، ينبغي للتصميم الناجح أن يجد مكانه في بيئات مختلفة، وأن يتواصل مع أشخاص من خلفيات متنوعة، مع الحفاظ على هويته في الوقت نفسه.

Image: Courtesy of Aljoud Lootah
تختزل مجموعة Tebr النقوش المحفورة على أبواب القصور في قطع من البورسلين البسيط. إلى أي مدى يمكن اختزال أحد الزخارف قبل أن يفقد هويته الإماراتية؟
لا أعتقد أن هناك نقطة محددة يفقد عندها أحد الزخارف هويته الإماراتية لمجرد تبسيطه. بالنسبة إليّ، المسألة تتعلق أكثر بالفكرة التي ينطلق منها التصميم ومدى ارتباطه بالمرجع الأصلي. استلهمت مجموعة Tebr من النقوش الخشبية الدقيقة التي تزيّن أبواب قصر العين. وبدلاً من إعادة إنتاج هذه التفاصيل كما هي، أردت استكشاف هندستها ونسبها وإيقاعها البصري، ثم إعادة صياغتها في قطع معاصرة من البورسلين. أؤمن بأن التراث لا يحتاج دائماً إلى تمثيل حرفي. ففي بعض الأحيان، يتيح لنا تبسيط أحد العناصر اكتشاف خصائص فيه قد لا ننتبه إليها لولا ذلك. ما يهمني هو أن تكون عملية التجريد مقصودة، وأن تستند إلى فهم حقيقي للمرجع الأصلي. فالهوية الثقافية للقطعة لا تتحدد بالضرورة بمدى سهولة التعرّف على الزخرفة التي استوحيت منها، بل بالقصة والبحث والفكر الكامن وراءها.
تستمد مجموعة Mandoos اسمها من صندوق المندوس التقليدي، المرتبط بطقس عائلي خاص. كيف تجعلين هذه القطعة ذات معنى لشخص لم يسبق له أن رأى مندوساً؟
للمندوس التقليدي مكانة خاصة جداً في الثقافة الإماراتية. فهو ليس مجرد صندوق خشبي مصنوع بحرفية جميلة، بل قطعة ارتبطت بمحطات مهمة في الحياة، ولا سيما الزواج، وكانت تُستخدم لحفظ الأغراض الشخصية والمنسوجات والمجوهرات وغيرها من المقتنيات الثمينة. عندما بدأت العمل على التصميم، كان اهتمامي منصبّاً على القيمة العاطفية لهذا الصندوق، لا على مجرد إعادة إنتاج شكله التقليدي.
فكرة الاحتفاظ بشيء ثمين، وصون الذكريات، وتوارث المقتنيات ذات المعنى من جيل إلى آخر، هي أمور أعتقد أن أشخاصاً من ثقافات مختلفة يستطيعون التفاعل معها. ومن خلال إعادة تقديم المندوس برؤية معاصرة، أردت أن أمنحه وظيفة جديدة، مع الحفاظ على صلته بأصوله. قد يرى من لم يسبق له أن عرف المندوس التقليدي فيه مجرد قطعة جميلة وعملية. لكن عندما يكتشف مصدر الإلهام وراءها، يكتسب العمل طبقة إضافية من المعنى. أعتقد أن هذا ما يجعل التصميم المستلهم من الثقافة مثيراً للاهتمام. فهو يتيح للناس التعرّف إلى تقاليد غير مألوفة من خلال مشاعر وتجارب إنسانية يفهمها الجميع.

Image: Courtesy of Aljoud Lootah
تستلهم مجموعة Falaj أنظمة الأفلاج التي تغذّي واحات الإمارات بالمياه. عندما صمّمتها، من تخيّلتِ أنه سيعيش مع هذه القطع؟
عندما صمّمت مجموعة Falaj، لم أكن أتخيّل بالضرورة شخصاً بعينه أو نوعاً محدداً من المنازل، بل كنت أفكر أكثر في التجربة التي أردت أن تتيحها هذه المجموعة. تستمد المجموعة إلهامها من أنظمة الأفلاج التقليدية التي أدّت دوراً مهماً في استدامة الحياة والزراعة في واحات الإمارات. وقد لفتتني خصوصاً حركة المياه والمسارات العضوية التي ترسمها، والشعور بالسكينة الذي يميّز هذه البيئات. أردت ترجمة هذه الصفات إلى قطع أثاث تشجّع الناس على التمهّل والالتقاء والشعور بالراحة.
تتميّز التصاميم بأشكالها الناعمة وانسيابيتها، وقد صُمّمت القطع لتتكامل مع بعضها، مع إمكانية استخدام كل منها بصورة مستقلة. وعلى الرغم من ارتباط مصدر الإلهام ارتباطاً وثيقاً بالإمارات، أردت أن تنسجم Falaj بالقدر نفسه مع منزل معاصر في دبي، أو ملاذ هادئ في مكان آخر من العالم، أو مساحة عامة تجمع الناس. لم يكن هدفي تصميم أثاث يبدو إماراتياً بالمعنى التقليدي، بل ابتكار قطع معاصرة تحمل جوهر المكان وقصته.

Image: Courtesy of Aljoud Lootah
وصلت قطع Oru إلى مجموعة مقتنيات المعرض الوطني في فيكتوريا. ماذا علّمكِ ذلك عن كيفية قراءة التصميم الإماراتي خارج المنطقة؟
كان انضمام Oru إلى مجموعة مقتنيات المعرض الوطني في فيكتوريا محطة مهمة بالنسبة إليّ، على المستويين الشخصي والمهني. وقد عزّز ذلك إيماني بأن التصميم لا يحتاج بالضرورة إلى إظهار هويته الثقافية من خلال إشارات بصرية واضحة.
في مجموعة Oru، انصبّ التركيز على استكشاف الشكل والهندسة وإمكانات تحويل سطح مسطّح إلى قطعة ثلاثية الأبعاد من خلال الطي. وما وجدته مهماً هو أن المجموعة استطاعت أن تحظى بالتقدير ضمن سياق التصميم العالمي الأوسع، بدلاً من أن تُعرَّف حصراً من خلال المكان الذي نشأت فيه. أعتقد أن هناك أحياناً توقعاً بأن يتضمن التصميم القادم من الإمارات أو من المنطقة عموماً إشارات واضحة إلى الزخارف أو المواد أو الحرف التقليدية حتى يُنظر إليه بوصفه تعبيراً عن ثقافته. لكن التصميم الإماراتي أوسع بكثير من ذلك. فقد يكون تجريبياً أو بسيطاً أو مفاهيمياً أو معاصراً بالكامل. وبالنسبة إليّ، كان انضمامOru إلى مجموعة مقتنيات المتحف تذكيراً بأن مساهمتنا في مشهد التصميم العالمي لا ينبغي أن تقتصر على إعادة تفسير التراث، بل يمكننا أيضاً الإسهام بأفكار وأشكال ورؤى جديدة في الحوار العالمي حول التصميم.

Image: Courtesy of Aljoud Lootah
قلتِ إن التعاون هو الجانب الأكثر إثارة وتحدياً في التصميم. هل غيّر العمل مع مصممين من خارج المنطقة طريقة تقديمكِ للعناصر المستوحاة من الثقافة الإماراتية؟
كان التعاون مع علامات عالمية مثل Cartier وVacheron Constantin تجربة لافتة، لأنه يجمع بين رؤى إبداعية وهويات مؤسسية ومقاربات مختلفة للتصميم. وقد دفعتني هذه التجارب إلى التفكير بعمق أكبر في كيفية ترجمة العناصر الثقافية الإماراتية إلى لغة تصميمية تتفاعل معها جماهير عالمية، من دون أن تفقد أصالتها وارتباطها بمصادرها. وما أجده مثيراً للاهتمام بشكل خاص هو اكتشاف نقاط الالتقاء بين مقاربتنا للتصميم ومقاربات هذه العلامات العريقة، سواء من خلال التقدير المشترك للحرفية، أو الاهتمام بالتفاصيل، أو سرد القصص، أو أهمية التراث. لا أقول إن هذه التجارب غيّرت طريقة تعاملي مع العناصر الإماراتية، لكنها وسّعت بالتأكيد رؤيتي لكيفية التعبير عنها في سياقات مختلفة. بالنسبة إليّ، لا يقوم التعاون الناجح على تكييف هويتنا لتناسب علامة أخرى، بل على خلق حوار حقيقي بين هويتين مختلفتين، تسهم كل منهما بشيء فريد في النتيجة النهائية.
تضم دبي اليوم حيّاً للتصميم وأسبوعاً للتصميم وسوقاً للمقتنين. ما الذي لا يزال يحول دون وصول المصممين الإماراتيين إلى جمهور عالمي؟
أعتقد أن الإمارات أحرزت تقدماً كبيراً في تطوير منظومة التصميم خلال العقد الماضي. فقد أصبحت لدينا اليوم منصات ومؤسسات ومبادرات أتاحت للمصممين فرصاً لعرض أعمالهم، والتواصل مع جمهور عالمي، والمشاركة في حوار أوسع بكثير. لكنني أرى أن الخطوة التالية تتمثل في الانتقال من مجرد الظهور إلى تحقيق حضور مستدام واعتراف دولي طويل الأمد. المشاركة في معرض أو أسبوع للتصميم مهمة، لكن بناء حضور دولي يتطلب الاستمرارية، والوصول إلى الشبكات المناسبة، وإقامة علاقات مع المعارض الفنية والمقتنين، وإتاحة الفرصة لتمثيل الأعمال خارج إطار فعالية واحدة. هناك أيضاً تحديات تتعلق بالإنتاج والبنية التحتية. فبالنسبة إلى استوديوهات التصميم المستقلة، يتطلب تطوير الأعمال والحفاظ على جودتها وإدارة إنتاجها وتوزيعها دولياً موارد كبيرة. وأعتقد كذلك أن من المهم ألا يُنظر إلى المصممين الإماراتيين حصراً من منظور التراث الثقافي.
يشكّل تراثنا مصدراً غنياً للغاية للإلهام، لكن لا ينبغي أن يتحول إلى توقع مسبق أو قيد يحدّ من الإبداع. يجب أن يتمتع المصممون الإماراتيون بحرية استكشاف أفكار وتخصصات ومقاربات مختلفة، تماماً كما هي الحال مع المصممين في أي مكان آخر من العالم. وفي نهاية المطاف، أتمنى أن يحظى مزيد من المصممين الإماراتيين بالتقدير على الساحة الدولية، ليس فقط بسبب المكان الذي ينتمون إليه، بل أيضاً بفضل أصالة أعمالهم وجودتها وأهميتها.