تتمتع شارون دروغان، خبيرة التجميل والمديرة الإبداعية والمدرّبة المقيمة في دبي، بخبرة تزيد عن 15 عاماً في مجال التجميل الخاص بالمشاهير والمجلات والعلامات التجارية الفاخرة، وقد شهدت تغيرات هذا القطاع من الداخل. وبعد أن عملت مع أسماء لامعة مثل شارون ستون، وليندسي لوهان، وباريس هيلتون، وتايرا بانكس، باتت لديها رؤية واضحة لكيفية تطور مفهوم الجمال، من معايير ثابتة إلى نهج شخصي أكثر. في هذا الحوار، تتحدث دروغان عن الفردية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والضغط الاجتماعي لتبني مظهر معين، ولماذا لا تزال الغريزة البشرية مهمة في عصر الذكاء الاصطناعي.
لقد عملتِ في مجال التجميل لأكثر من 15 عاماً. ما رأيكِ في أبرز التغييرات التي طرأت على مفهومنا للجمال اليوم؟
عندما بدأتُ العمل في مجال التجميل، كان هناك مفهومٌ أكثر تحديداً لما يُعتبر جميلاً. كان هذا المفهوم مُتأثراً إلى حد كبير بالمجلات والحملات الإعلانية ومجموعة صغيرة نسبياً من الأشخاص في هذا المجال ممن يمتلكون سنوات من الخبرة والمعرفة التقنية والمهارة.
أما اليوم، فقد أصبح الجمال شخصياً، وأكثر وضوحاً وانفتاحاً على التأويل. أعتقد أن هذا تحوّل إيجابي، ولكنه خلق أيضاً نوعاً جديداً من الضغط. أصبحت لدينا حرية أكبر في تعريف الجمال وفق مفهومنا الخاص، لكننا في المقابل نتعرض باستمرار لوجوه وأجساد وصور مختلفة عن الكمال، من خلال متابعة كل ما يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي.
بالنسبة لي، لم يكن الجمال يوماً يتعلق بخلق معيار ثابت. بل هو يتعلق بفهم ما يُميز كل شخص، ومعرفة كيفية إبراز ذلك. نادراً ما تكون الوجوه المألوفة هي الأكثر رسوخاً في الذاكرة، بل هي تلك التي تحمل سمة فردية. الحواجب مثال جيد على ذلك. عندما بدأتُ العمل، كان الجميع يُريدها رفيعة ومشذبة بشكل مُبالغ فيه، مُنتفة بشكل لا يُشبه شكلها الطبيعي. أما الآن فالوضع معكوس تماماً. تريد النساء حواجب أكثر كثافة، حتى لو كانت غير مشذبة قليلاً، لأنها تناسب ملامحهن وتبدو حقيقية.

Images: Courtesy of Sharon Drugan
كان مفهوم الجمال في الماضي يتشكل إلى حد كبير من خلال المجلات والمشاهير وعلامات التجميل. أما اليوم، فبإمكان أي شخص يملك هاتفاً أن يؤثر على ما يعتبره الملايين جميلاً. ما الذي غيّره هذا التحول في صناعة التجميل؟
لقد أعاد هذا التحول هيكلة الجهات المؤثرة بشكل جذري. فعلى مدى عقود، كان مفهوم الجمال ينتقل عبر عدد محدود من المؤسسات والمجلات والحملات الإعلانية والعلامات التجارية، ومن هنا استمدّت الصناعة مفهومها لما هو مرغوب فيه. أما الآن، فقد أصبح هذا القرار بيد ملايين المبدعين الأفراد، وبإمكان شخص يملك إضاءة مميزة وقاعدة جماهيرية أن يغير ما يشتريه جيل كامل، وأن يكون تأثيرة أسرع من تأثير أي حملة إعلانية.
لقد فتح هذا التحول المجال أمام أشخاص لم يكن لديهم إمكانية الوصول إليه من قبل، وهذا أمر إيجابي. لكنه في الوقت نفسه أدى إلى تراجع معايير الجودة. ففي السابق، كانت هناك عين خبيرة في مكان ما ضمن عملية الإنتاج، كخبيرة تجميل أو محررة أو مديرة إبداعية، شخصية تدربت لسنوات وفهمت سر نجاح إطلالة معينة. الكثير من هذا الدور الرقابي اختفى اليوم. فالعلامات التجارية تتجه الآن مباشرة إلى المبدعين بدلًا من المرور عبر هذه الطبقة من الخبرة، وأصبحت السرعة أهم من الإتقان.
صناعة الجمال لم تصبح أسوأ، بل أصبحت أسرع وأكثر ازدحاماً، وهذا يغيّر المعايير التي تجعل الشخص موضع ثقة داخلها.
نتحدث كثيراً اليوم عن التفرّد في عالم الجمال، ومع ذلك، وسائل التواصل الاجتماعي قد تجعل الجميع يبدون متشابهين بشكلٍ غريب. ما السبب برأيك؟
لأن الناس يتعرضون لنفس الصور النمطية مراراً وتكراراً: نفس عظام الخدّين، نفس خطوط الفك، نفس الفلاتر، وبشكل متزايد، نفس العلاجات التجميلية. عندما نرى شكلاً معيناً مرات كافية، قد نبدأ بالتعامل معه كقاعدة يجب اتباعها وليس كصيحة عابرة.
كما إن وسائل التواصل الاجتماعي تكافئ ما يتعرّف عليه الناس بسرعة. فبمجرد أن يبدأ وجهٌ أو لوك مكياج معين في الظهور بشكلٍ جيد، يتم تكراره وتعديله ونشره حتى يصبح مألوفاً. وبعد فترة، يتوقف الناس عن السؤال ما الذي يناسبهم حقاً ويركزون أكثر على الذي يجعلهم مواكبون لآخر الصيحات؟
لكن هناك فرق بين أن نكون معروفين وأن نكون عصيين على النسيان. عندما يتجه الجميع نحو نفس الملامح، يصبح التفرّد أكثر قيمة. قد تكون السمة التي أمضى شخص ما سنوات في محاولة تصحيحها هي ما يمنح وجهه شخصيته المميزة.
العلاجات التجميلية خيار شخصي، وأنا أخضع لها بنفسي. لكن تغيير ملامح معينة لا يعني بالضرورة فقدان ما يجعلك مميزة. أفضل النتائج يجب أن تترك دائماً مساحة للشخصية والملامح الخاصة. وإلا فنحن لا نعزز التفرّد، بل نكرر الفكرة نفسها عن الجمال على وجوه مختلفة.

Images: Courtesy of Sharon Drugan
هل تشعرين أن الجيل الجديد أصبح أكثر ثقة في تعريف الجمال بنفسه، أم أنه ببساطة يواجه نوعًا مختلفًا من الضغط ليظهر بشكل معين؟
أعتقد أنه كلا الأمرين صحيح. الشابات اليوم يبدونَ أكثر استعداداً للتساؤل عن قواعد الجمال القديمة واختيار ما يناسبهن. هذه الثقة حقيقية، وهي تغيير إيجابي.
لكن الضغط لم يختفِ، بل أصبح أكثر استمراريةً، وربما أكثر إقناعاً، لأنه لم يعد يأتي فقط من المشاهير أو الحملات الإعلانية البرّاقة. الزبائن الشابات الآن يحضرنَ صوراَ لمؤثرات محددات ويطلبن نفس إطلالة المكياج، لا مجرد الإلهام، بل الإطلالة نفسها، بينما في الماضي كنّ يلجأن إلى صور المشاهير كمرجع. هذا يجعل من الصعب تجاهل الأمر، لأن مصدره ليس شخصاً بعيد المنال نراه على السجادة الحمراء، بل شخصاً نتابع حياته باستمرار. التحدي الآن هو تعلم التمييز بين الإلهام والتعليم. يمكنكِ الإعجاب بجمال شخص آخر دون اعتباره نموذجاً لوجهكِ. ما يناسب شخصاً ما قد لا يجعلكِ تبدين أكثر شبهاً بنفسك، وهنا تحديداً يكمن غالباً جمال أكثر إثارة للاهتمام.
بصفتكِ خبيرة تجميل عملتِ مع مشاهير ونساء عاديات، ما هو برأيكِ أكثر ما يُساء فهمه حول قدرات المكياج؟
يُنسب للمكياج قدرات تفوق الواقع. فهو يُغيّر طريقة سقوط الضوء على الوجه، ويُبرز لونه، ويُحدد شكله، ويلفت الانتباه إلى ملامح معينة. يُمكنه أن يجعلكِ تبدين أكثر نضارة وإضفاء تحديد على الملامح، ولفت الانتباه إلى نقاط معينة. كما يمكنه أن يمنح الوجه مظهراً أكثر نضارة وتحديداً، أو أن يغيّر الإطلالة بالكامل لمناسبة مسائية.
لكن المكياج لا يعمل مثل الفلتر، ووظيفته لا تكمن في إخفاء الوجه الحقيقي. أعتقد أن الناس ينسون ذلك عندما يُقارنون أنفسهم بالصور التي يرونها على مواقع التواصل الاجتماعي. فالبشرة الحقيقية لها ملمسها، والوجوه ليست متماثلة تماماً. حتى أجمل أنواع المكياج يجب أن تُراعي هذه الخصائص بدلًا من محاربتها.
ما يُمكن للمكياج فعله هو تغيير شعوركِ. يُمكنكِ تجربة ملابس جديدة دون تصفيف شعركِ أو وضع المكياج، والنظر في المرآة والتفكير: “لا، هذا لا يُناسبكِ”. ثم تُكملين إطلالتكِ، وفجأة تشعرين باختلاف تام. لم تتغير الملابس، لكن طاقتكِ تغيرت. وقفتكِ مختلفة، تشعرين بثقة أكبر وحضور أقوى. هذا التغيير أراه يحدث مباشرةً مع زبوناتي. غالباً ما يكون الفرق في طريقة تعامل المرأة مع نفسها، منذ لحظة وصولي إلى لحظة مغادرتي، هو التغيير الأبرز في الجلسة بأكملها، أكثر حتى من المكياج نفسه. ومشاهدة هذا التحول من أكثر الجوانب التي تمنحني شعوراً بالرضا في عملي.

Images: Courtesy of Sharon
إذا كان بإمكان الذكاء الاصطناعي ابتكار مكياج مثالي في ثوانٍ، فما الذي يجعل خبير التجميل البشري أكثر قيمة؟
أعتقد أن الجانب الإنساني في هذه المهنة يصبح أكثر أهمية. فالناس لا يستعينون بخبيرة المكياج لمجرد الحصول على مكياج نهائي، بل أيضاً لخوض تجربة الجلوس على كرسي التجميل والشعور الذي يرافقهم خلال هذه التجربة.
وضع المكياج لشخصية ما ما تجربة شخصية للغاية. فأنت تقفين على بُعد سنتيمترات قليلة من وجهها، تعملين في مساحة لا يسمح معظم الناس للآخرين بالولوج إليها. هم يضعون مظهرهم ووقتهم، وغالباً ثقتهم بأنفسهم، بين يديك. لذلك، يشكل الإصغاء جزءاً أساسياً من هذا العمل.
يستطيع الذكاء الاصطناعي إنشاء صورة أو اقتراح مكياج، لكنه لا يستطيع التفاعل مع الشخص الذي أمامك في الوقت الفعلي. قد يأتي العميل بصورة مرجعية ثم يدرك أنه يريد شيئاً أكثر نعومة، أو أكثر قوة، أو مكياجاً مختلفاً تماماً. معرفة كيفية تعديل المظهر وجعله مناسباً لهذا الشخص تحديداً هي المهارة الحقيقية. يستطيع الذكاء الاصطناعي إنشاء الصورة، بينما يساهم خبير التجميل في ابتكار تجربة حقيقية.
هل تعتقدين أن التكنولوجيا ستغير دور خبراء التجميل في نهاية المطاف، أم أن الناس سيظلون يتوقون إلى الحدس والعاطفة والتواصل الإنساني الذي يصاحب العمل مع شخص آخر؟
ستغير التكنولوجيا دور خبير التجميل، لكنني لا أعتقد أنها ستلغي الحاجة إليه. ستستمر الأدوات التي نستخدمها في التطور، كما كان الحال طوال مسيرتي المهنية. لدينا الآن طرق أكثر بكثير للبحث والتطوير وتصور المظهر مقارنةً بما كان لدينا عندما بدأت.
أعتقد أن دور خبيرة المكياج سيصبح أقل ارتباطاً بمعرفة كيفية تطبيق المكياج فحسب، وأكثر ارتباطاً بالقدرة على تفسير المعلومات. هناك بالفعل كم هائل من المعلومات المتاحة للناس. وتكمن القيمة الحقيقية في القدرة على اختيار ما يستحق الاهتمام، وفهم ما هو مناسب، وتحويل الفكرة إلى إطلالة تنجح على وجه حقيقي، في إضاءة حقيقية ولمناسبة حقيقية. سيكون أبرز خبراء التجميل هم أولئك الذين يظلون فضوليين تجاه التكنولوجيا دون السماح لها بأن تحل محل ذوقهم. يمكنكِ استخدام كل أداة متاحة، وستظلين بحاجة إلى الذوق والخبرة والقدرة على اتخاذ القرار. هذا ما يحول المرجع إلى نتيجة تعبّر فعلاً عن الشخص الذي يضعها.