A7 Magazine

    • دانا حوراني تتحدث عن أغنيتها الجديدة “بدكن شي؟” وكل الأشياء التي لم تُقَل

      دانا حوراني تتحدث عن أغنيتها الجديدة “بدكن شي؟” وكل الأشياء التي لم تُقَل

      • 10 September 2026
      • بقلم Sabrina Garnier
        This Article Is Written In English
    • أغنية “بدكن شي؟” الجديدة للمغنية وكاتبة الأغاني اللبنانية دانا حوراني قريبة إلى القلب. إنها شخصية بالنسبة لحوراني، لكنها تترك لنا مساحة كافية لنستحضر ذكرياتنا الخاصة فيها.

  • دانا حوراني تتحدث عن أغنيتها الجديدة “بدكن شي؟” وكل الأشياء التي لم تُقَل

    Image: Courtesy of Dana Hourani

 

 

لنهاية الصيف سحرٌ خاص يدعو للتأمل. فبعد شهور من العشاءات والسهرات الطويلة والمحادثات، بعضها عابر وبعضها الآخر يبقى في الذاكرة، يُعيد قدوم فصل جديد بعض اللحظات إلى الأذهان. الأشياء التي قلناها، والأشياء التي لم نقلها، والكلمات التي لم تخطر ببالنا إلا بعد فوات الأوان.

 

وصلت أغنية “بدكن شي؟” الجديدة للمغنية وكاتبة الأغاني اللبنانية دانا حوراني إلى تلك الحالة بالنسبة لي. هادئة وحميمية عن قصد، نقلتني إلى مكان ما. وجدت نفسي أفكر في محادثات دارت بيننا خلال الصيف، وأخرى من زمن أبعد. هذا ما يجعل الأغنية قريبة إلى القلب. إنها شخصية بالنسبة لحوراني، لكنها تترك لنا مساحة كافية لنستحضر ذكرياتنا الخاصة فيها.

 

 

 

 

Image: Courtesy of Dana Hourani

 

 

 

 

 

تقول دانا حوراني لمجلة A7 : “بدأت الأغنية بفكرة محادثة أخيرة ظلت تدور في ذهني. فكّرت في كل الأسئلة التي كنت سأطرحها على شخص ما لو كنت أعلم أنها ستكون آخر مرة أراه فيها.”

 

ثمة ألمٌ خاصٌّ في التفكير بالسؤال أو الرد أو الاعتراف المثالي بعد فوات الأوان. أغنية “بدكن شي؟” تُجسّد هذا الشعور دون محاولة حلّ المشكلة. السؤال عادي يكاد يكون عابراً. وفي سياق حديث أخير، يحمل فجأةً كلّ ما لم يُقَل. ما أحببته في الأغنية هو أن حوراني لا تملي علينا أبداً مَن أو ما الذي يجب أن نفتقده.

 

تقول: “بدأت الأغنية تُثير ذكريات طفولتي، وعائلتي، ولبنان، وخاصةً الجنوب. أعتقد أن جوهرها يدور حول الشوق، وكيف أننا أحياناً لا نُدرك مدى أهمية شخصٍ أو مكانٍ أو زمانٍ بالنسبة لنا إلا عندما لا نستطيع العودة إليه”.

 

 

 

 

Images: Courtesy of Dana Hourani

 

 

 

 

عند الاستماع إليها، نشعر وكأن الفقدان الذي تتحدث عنه الأغنية يشبه الأشياء التي تتغير باستمرار من حولنا. يرحل الناس، وتتغير الأماكن، ووتبدل الصداقاتن وتختفي بيوت الطفولة. هناك نسخ من أنفسنا نستطيع تذكرها تماماً ولكن لا يمكننا أن نعود إليها مرة أخرى.

 

“لم أرغب قط في أن أملي على الناس ما يفترض أن يفتقدوه”، توضح حوراني. “الفقدان أوسع بكثير من مجرد خسارة شخص ما. قد يفتقد المرء مكاناً، أو نسخة من نفسه، أو منزلاً، أو فترة من حياته. بل قد يفتقد شيئاً لا يزال موجوداً، لكن وجوده اختلف عما كان عليه سابقاً.

 

هذه الصراحة هي ما يجعل أغنية “بدكن شي؟” أكثر من مجرد ذكرى لحوراني. هناك مساحة داخل الأغنية لمحادثات المستمع غير المكتملة، ولتلك التبادلات الصغيرة التي لا ندرك أهميتها إلا لاحقاً.

 

بكلمات روبرت الأسعد وحوراني، وألحان الأسعد، وإنتاج سليمان داميان وحوراني، تتجنب الأغنية تحويل تلك المشاعر إلى شيء درامي مبالغ فيه. تتداخل الأصوات الحميمة مع تناغمات متعددة الطبقات، بينما يضفي العود دفئاً على الإنتاج الناعم والشفاف. لا شيء مبالغ فيه. بل تبدو الأغنية وكأنها معلقة في فضاء خاص، كذكرى تعود فجأة وتختفي قبل أن نستوعب سبب عودتها.

 

 

 

Image: Courtesy of Dana Hourani

 

 

 

 

يأخذ الفيلم المصاحب، من إخراج ميكيلا يونس وإنتاج آية غصن، تلك العلاقة مع الذاكرة إلى منحى أكثر واقعية. تعود حوراني إلى إحدى أعز ذكريات طفولتها، أيام عائلية على ضفاف نهر الليطاني في جنوب لبنان. وبالاستناد إلى صورها الفوتوغرافية ومقاطع الفيديو المنزلية، يتنقل الفيلم بين الأرشيف وإعادة التمثيل، بين الماضي والحاضر. “لم أرد أن أخترع عالماً حول الأغنية، بل أردت العودة إلى عالم حقيقي”، تقول حوراني. “أعدنا تمثيل لحظات من صور وفيديوهات عائلية قديمة، وأضفناها جميعاً إلى الفيلم”.

 

ثمة شيء مؤثر في محاولة إعادة بناء ذكرى ما بشكل مادي، بينما نعلم مسبقاً بأنه لا يمكن استعادتها بالكامل. يصبح الأمر أكثر خصوصية عندما تظهر ابنة حوراني لتلعب دور دانا عندما كانت في مثل سنها.

 

 

 

 

Images: Courtesy of Dana Hourani

 

 

 

“تجسيد ابنتي لشخصيتي جعل الأمر برمته يبدو وكأنه دائرة مكتملة”، تقول حوراني. “لم يعد الأمر يتعلق بصنع فيديو موسيقي بقدر ما يتعلق بإعادة إحياء ذكرى ما لبضع دقائق”.

 

هذا ولا يظهر نهر الليطاني كمجرد خلفية جميلة للأغنية. فمع تغيّر إمكانية الوصول إلى مناطق في جنوب لبنان بفعل الظروف التي تشهدها المنطقة، يحول المكان، الأفكار الي تطرحها الأغنية حول الذاكرة إلى شكل ملموس. فقد يبقى المكان موجوداً على الخريطة، لكن النسخة منه التي نعرفها وننتمي إليها قد تصبح بعيدة، أو حتى مستحيلة الوصول.

 

 

 

 

هذا أحد أغرب جوانب مرور الزمن. نراكم المزيد من الذكريات، بينما ندرك أكثر فأكثر أن كل شيء محيط بنا معرض للاندثار. تقول حوراني: “عندما نكون أصغر سناً، تبقى الذكريات مجرد ذكريات. لا ندرك قيمتها الحقيقية لأننا نكون منشغلين بالحياة، مُفترضين أن كل شيء سيبقى دائماً كما هو”. وتضيف: ” فيما يتعلق بلبنان خاصةً، هناك أماكن ولحظات أتذكرها تماماً كما كانت، رغم أنني أعلم أنني لن أعود إليها بنفس الطريقة. أعتقد أنني أتمسك بالأشياء أكثر الآن. ليس لأنني أريد العيش في الماضي، بل لأنني أفهم معنى عيشها”.

 

ظلت هذه الفكرة عالقة في ذهني. الكثير من معاني”بدكون شي؟” تسترجع الماضي، لكنها لا تبدو حنيناً لمجرد الحنين. بل على العكس، جعلتني الأغنية أفكر في إيلاء المزيد من الاهتمام للحاضر. العشاء الذي نتناوله، القصة التي سمعناها من قبل، الشخص الجالس أمامنا. نادراً ما نعرف أي اللحظات العادية ستصبح فيما بعد تلك التي نرغب في استعادتها.

 

 

 

 

Image: Courtesy of Dana Hourani

 

 

 

 

عندما سألت حوراني عما ستفعله بشكل مختلف لو أُتيحت لها فرصة إجراء المحادثة الأخيرة المتخيلة في الأغنية، كان جوابها بسيطاً بشكل لافت. “أعتقد أنني سأتحدث أقل وأستمع أكثر”. “عندما نكون أصغر سناً، نعتقد دائماً أن هناك فرصة أخرى. الآن، أعتقد أنني أرغب فقط في الجلوس هناك لفترة أطول قليلًا والاستماع إلى كل شيء، وأن أكون حاضرة تماماً. القصص، والتفاصيل الصغيرة، حتى الأشياء التي بدت غير مهمة في ذلك الوقت. هذه هي الأشياء التي نشتاق إليها أكثر من غيرها في النهاية”.

 

من الصعب سماع ذلك دون التفكير في إجابتك الخاصة.

 

يمثل ألبوم “بدكن شي؟” عودة دانا حوراني بعد انقطاع دام عاماً ونصف عن إصدار الموسيقى. وبدلًا من الإعلان عن هذه العودة بصوت عالٍ، تبدو الأغنية الجديدة كتجربة فيها التأمل والثقة في الوقت نفسه.

 

تقول حوراني: “أعتقد أنني أتخلص من الكثير من الضجيج. لطالما صنعت موسيقى أشعر أنها شخصية بالنسبة لي، لكنني الآن أثق بحدسي أكثر، وأشعر بحاجة أقل لتقديم الشروحات حوله.

 

 

 

هذا الحدس يسري في ألبوم “بدكن شي؟”. لا تحدد حوراني أبداً من تفتقده بالضبط، ولا تطلب من المستمع استعادة نفس الذكرى التي أثرت فيها. ومع ذلك عدتُ في النهاية، إلى تلك العشاءات والمحادثات الصيفية، ولم أعد أفكر كثيراً بالأحاديث التي دارت، بقدر ما فكرت في التفاصيل الصغيرة المحيطة بها. تلك الأشياء التي بدت عادية لدرجة أنني لم ألحظها حينها.

 

 

 

بدكن شي؟
غناء: دانا حوراني
كلمات: روبرت الأسعد ودانا حوراني
إنتاج: سليمان داميان ودانا حوراني
ألحان: روبرت الأسعد
إخراج الفيديو الموسيقي: ميكيلا يونس
إنتاج الفيديو الموسيقي: آية غصن