في الدورة الثالثة والثمانين من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، يجمع القسم المخصص للواقع الممتد بين الواقع الافتراضي والمختلط، والفيديو الغامر، والمنشآت التفاعلية، والعوالم الافتراضية. ويُقام برنامج عام 2026 على جزيرة لازاريتو فيكيو، ويضم 68 مشروعًا من 26 دولة، بينها 30 عملًا في المسابقة. وتشير هذه المشاريع مجتمعة إلى أن مستقبل السينما قد لا تحدده شاشة أكبر، وإنما قصص تتشكل حول المشاهد، وتستجيب أحيانًا إلى وجوده.
ومن بين الأعمال التي تكشف بوضوح الإمكانات العاطفية لهذا التحول، يبرز “راجعين ” Raj’in (We Shall Return)، وهو عمل من الواقع الافتراضي مدته 24 دقيقة، أخرجه فايز أبو رميلة وكيرين مانور.
صُوّر المشروع على مدار ثلاثة أعوام، ويتتبع تجمعات فلسطينية في الضفة الغربية تواجه التهجير القسري. ويجمع بين التصوير بتقنية 360 درجة ومقاطع مسجلة بالهواتف والكاميرات المحمولة، التقطها سكان فلسطينيون وناشطون، ليمزج بين الصور التي صنعها المخرجان وتلك التي وثقها الأشخاص الذين يعيشون الأحداث بأنفسهم.

Image : Raj’in (We Shall Return) – La Biennale di Venezia
تكتسب التقنية أهميتها لأنها تغير موقع المشاهد. فلم تعد الطبيعة المحيطة محصورة داخل حدود الكادر التقليدي، فتتحول الأرض والذاكرة والاقتلاع إلى تجارب مكانية، بينما تحفظ المقاطع التي سجلها السكان وجهات نظر قد تضيع مع المجتمعات التي توثقها.
ووفقًا للمخرجين، يأتي العنوان العربي “راجعين” من كلمات كتبتها إحدى بطلات المشروع قبل إجبارها على مغادرة منزلها. وتتحول العودة داخل العمل إلى وعد شخصي وفعل جماعي لحفظ الذاكرة في الوقت نفسه.
عندما يصبح المشاهد جزءًا من القصة
وسّع قسم “فينيسيا إيمرسيف” تعريف المهرجان للسينما، ليشمل أعمالًا تُختبر من خلال الحركة والتفاعل والحضور الجسدي. تضع بعض المشاريع المشاركين داخل بيئة افتراضية، بينما تجمع أخرى بين الصور الرقمية والأشياء المادية أو الصوت أو اللمس أو الأداء. وفي عدد من الأعمال، يصبح جسد المشاهد نفسه جزءًا من اللغة السردية.
يظهر ذلك بوضوح في “نوكس ” Nox، وهي تجربة واقع ممتد ذاتية السرد من ابتكار المخرج الياباني ريو ناكادا. يستند العمل إلى تجربة المخرج مع اضطراب ما بعد الصدمة المركب، ويحول الصدمة والانفصال وتفتت الهوية إلى مشهد نفسي متغير.
تتشوه الأيدي، ويبدو الفضاء كأنه ينهار، بينما تبدأ الحدود بين الجسد ومحيطه في التلاشي. وبدلًا من شرح الصدمة من مسافة آمنة، يحاول “نوكس” ترجمة اضطراب الإدراك إلى حركة وحجم وتفاعل. يتحرك المشارك داخل تعبير مصمم بعناية عن العالم الذي شيده المخرج.

Image : Nox – La Biennale di Venezia
ويتناول “ربما بالأمس” Yesterday Maybe لماتيو فان إيكهوت الحزن بلغة مكانية مشابهة، ومن دون أي حوار. يستلهم العمل اللحظات المعلقة التي تعقب تلقي خبر وفاة شخص عزيز، ويتحرك بين الذكريات والاضطراب العاطفي وواقع لم يعد يبدو موثوقًا. ويمنح غياب الحوار إدراك المشاهد أهمية خاصة، إذ تنقل الأجواء والحركة والفضاء مشاعر قد يصعب التعبير عنها بالسرد التقليدي.
في كلا العملين، يصبح الانغماس وسيلة لتمثيل حالات يصعب التقاطها من خلال الصور المباشرة. فالحزن والانفصال لا يتبعان خطًا زمنيًا مرتبًا، وتسمح هذه المشاريع للارتباك والتكرار والتفتت بتشكيل بنية القصة.

Image : Yesterday Maybe – La Biennale di Venezia
من اللوحات إلى ارتفاع مستوى البحار
تستخدم مشاريع أخرى في البرنامج التكنولوجيا الغامرة لإعادة التفكير في الطريقة التي يلتقي بها الجمهور مع الفن والعالم الطبيعي. يأخذ “أوترونوار” Outrenoir، من إخراج غوردون، المشاهدين إلى داخل عالم الفنان الفرنسي بيير سولاج. وبمشاركة إيزابيل أوبير وسولاج نفسه، تتتبع تجربة الواقع الافتراضي تجارب الفنان مع المواد وافتتانه الممتد بالضوء، وصولًا إلى اللوحات السوداء التي اشتهر بها.

Image : Outrenoir – La Biennale di Venezia
وبدلًا من إعادة إنتاج الزيارة التقليدية للمتحف، يغير المشروع الحجم والمنظور. يستطيع المشاهد الانتقال من التفاصيل الحميمة للأصباغ والملمس إلى الشعور بالوقوف داخل تكوين تجريدي ضخم. ولا يعود الضوء والانعكاس والسطح تفاصيل تُشاهد من الخارج، وإنما تتحول إلى البيئة التي تُروى القصة من خلالها.
أما “سولواتا ” Solwata، وهو عمل من الواقع المختلط أخرجه فيليكس غايدكه وغياتري باراميسواران ويرويه مارك رافالو، فيتجه إلى جزر سليمان والمجتمعات التي تواجه ارتفاع مستوى البحار. يجمع العمل بين التصوير بتقنية 360 درجة والصور ثلاثية الأبعاد والأشياء المادية، ليستكشف التهجير وإعادة التوطين المخطط لها والصراع من أجل حماية التراث الثقافي.

Image : Solwata – La Biennale di Venezia
سينما لا يمكن مشاهدتها بصورة سلبية
يجعل تنوع برنامج “فينيسيا إيمرسيف” لهذا العام من الصعب التعامل مع السرد الغامر باعتباره وسيطًا فنيًا واحدًا. يعمل الواقع الافتراضي والواقع المختلط والمنشآت التفاعلية بطرق مختلفة، ولا يمنح كل مشروع الجمهور الدرجة نفسها من القدرة على اتخاذ القرار. تقود بعض الأعمال المشاهد عبر رحلة محددة مسبقًا، بينما تتيح أخرى الاستكشاف أو تتطلب تفاعلًا جسديًا.
تكمن أهمية “راجعين” تحديدًا في بقاء التكنولوجيا مرتبطة بفعل التوثيق. فالجمع بين التصوير الغامر والمقاطع التي سجلها السكان الفلسطينيون يؤكد أن القصة لا يصنعها جهاز الواقع الافتراضي، ولكن تبدأ بأشخاص يحفظون الأدلة والذكريات وصور مجتمعاتهم.
لذلك، يتمثل السؤال الأكثر إلحاحًا الذي يطرحه “فينيسيا إيمرسيف” في ما إذا كان الواقع الممتد سيحل محل السينما التقليدية، وكذلك في أنواع القصص التي قد تصبح ممكنة عندما لا يعود التعامل مع الشاشة بوصفها حدًا ثابتًا.
في أعمال تتناول التهجير والصدمة والحزن والفن وتغير المناخ، يستخدم صُنّاع الأفلام الانغماس لتحويل الحقائق النفسية والسياسية إلى فضاءات يمكن دخولها والتنقل داخلها. لم يعد الجمهور مجرد شاهد ينظر إلى الأمام؛ فعليه أن ينظر حوله، ويدرك حضوره، ويقرر أين يوجه انتباهه.