لطالما عُرف قطاع التجزئة الفاخرة في الخليج بالحجم: مراكز تسوق أوسع، ومتاجر رئيسية أكبر، ومزيد من العلامات العالمية تحت سقف واحد. لكن طموحًا مختلفًا يظهر اليوم في دبي والدوحة والرياض. فلم تعد أحدث مساحات التسوق، والمشروعات التي تخضع لإعادة تطوير واسعة، مصممة لاستيعاب عملية الشراء فقط، لكنها كذلك لتشجيع الزائر على البقاء.
يتجلى هذا التحول في الجمع المتزايد بين المتاجر والمطاعم ومساحات العافية والبرامج الثقافية والترفيهية. كما يظهر على نطاق معماري أصغر، من خلال الإضاءة القابلة للبرمجة، والتخطيطات المرنة، والألوان التعبيرية، والاستخدام المدروس للحجر. تتيح هذه العناصر للمساحة أن تتغير على مدار اليوم، وتمنح الزائر أسبابًا للحضور تتجاوز شراء منتج.
من مركز للتسوق إلى مساحة اجتماعية
في دبي، تجسد خطة ماجد الفطيم البالغة قيمتها خمسة مليارات درهم لتطوير مول الإمارات حجم هذا التحول. سيضيف المشروع 20 ألف متر مربع و100 متجر، لكن استراتيجيته لا تقوم على البيع بالتجزئة وحده. تتضمن الخطط أيضًا ناديًا للعافية، ومركزًا ثقافيًا، ومناطق جديدة لتناول الطعام، وتجارب ترفيهية مطورة. وتصف الشركة المشروع بأنه وجهة متعددة التجارب تجمع بين التسوق والثقافة والمجتمع.

Image: Majid Al Futtaim
قد تبدو هذه اللغة ترويجية، لكن الفكرة الأساسية واضحة. ففي سوق يمكن فيه مشاهدة أي منتج تقريبًا أو شراؤه عبر الإنترنت، يجب أن تقدم مساحات التجزئة الفعلية شيئًا لا يمكن توصيله إلى باب العميل: الأجواء والاكتشاف والوقت الذي يُقضى مع الآخرين.
يتبع سوليتير في الرياض نموذجًا مشابهًا. يجمع المشروع، الذي صممه استوديو بينوي للهندسة المعمارية، بين متاجر الرفاهية والمطاعم والترفيه والعافية والرياضة. ولا يُنظم مسار الحركة فيه مثل مراكز التسوق المغلقة التقليدية، بل يشبه حيًا حضريًا، مستعينًا بالنباتات والمياه وضوء النهار والأحجام المعمارية المتغيرة لجعل التنقل داخل المبنى جزءًا من التجربة.
أما بلاس فاندوم في الدوحة، فيستخدم لغة معمارية مختلفة. تستحضر أروقته وأسطحه الحجرية وتكويناته المتناظرة العمارة الباريسية، بينما تمد القناة الخارجية وعروض النوافير والمطاعم ومساحات الفعاليات الزيارة إلى ما يتجاوز المتاجر. وتواصل الإضافات الجديدة المزج بين التسوق الفاخر والترفيه، بدلًا من التعامل مع التسوق بوصفه نشاطًا منفصلًا.
في كل مدينة من هذه المدن، يمتد الهدف إلى زيادة الوقت الذي يقضيه الزوار داخل المكان. وليس عددهم فقط.

Image: placevendomeqatar
تصميم قادر على التغيير
أصبحت التخطيطات المرنة عنصرًا أساسيًا في هذا النموذج الجديد. فقد بُنيت متاجر الرفاهية التقليدية غالبًا حول منصات ثابتة للعرض ومسار محدد يتحرك خلاله العميل. أما اليوم، فتحتاج العلامات إلى مساحات يمكنها استضافة إطلاق منتج في أحد الأسابيع، وموعد خاص مع عميل في الأسبوع التالي، ثم تركيب فني أو فعالية ثقافية بعد ذلك.
يسمح الأثاث القابل للحركة، وأنظمة العرض المعيارية، والمساحات المفتوحة بإعادة ترتيب المتجر من دون الحاجة إلى تصميمه بالكامل من جديد. كما تستجيب هذه المرونة لطبيعة التقويم التجاري في الخليج، حيث تتطلب مجموعات رمضان، والإصدارات الإقليمية الحصرية، والتعاونات المؤقتة وفعاليات كبار العملاء تغييرات متكررة في الأجواء وطريقة عرض المنتجات.
صار المتوقع من المتجر أن يوفر إطارًا يمكن للعلامة من خلاله إنتاج صور وتجارب جديدة باستمرار. وتجعل الإضاءة هذا التحول ممكنًا. تستطيع الأنظمة القابلة للبرمجة تغيير أجواء المساحة على مدار اليوم، بالانتقال من الإضاءة الأكثر سطوعًا نهارًا إلى أجواء أكثر دفئًا وحميمية في المساء. كما يمكنها إعادة توجيه الانتباه عند تغيير المعروضات، ما يسمح للمكان نفسه بعرض المجوهرات أو الأزياء أو مستحضرات التجميل أو الأعمال الفنية، من دون التعامل مع جميع القطع بالطريقة نفسها.
وفي أفضل صورها، لا تتحول الإضاءة إلى مشهد آخر ينافس المنتجات، وإنما تغيّر كيفية إدراك اللون والملمس والحجم، وتساعد التصميم الداخلي على أن يبدو متفاعلًا بدلًا من أن يظل ثابتًا.
اللون والحجر بوصفهما جزءًا من التجربة
تزداد أهمية اختيار المواد أيضًا. لا يزال الحجر يعبر عن الديمومة والحرفية داخل متاجر الرفاهية، لكن وظيفته تتغير. فبدلًا من ظهوره فقط في الأرضيات الرخامية المصقولة أو الأسطح الزخرفية، يمكن استخدامه لتنظيم الحركة وخلق تباينات ملمسية أو ربط المشروع الجديد بموقعه.

Image: Solitaire KSA
في سوليتير، ترتبط استراتيجية المواد والعناصر البيئية بالموقع الصحراوي للمبنى. يتضمن التصميم واجهات مخصصة لتخفيف الحرارة، وفتحات علوية للاستفادة من ضوء النهار، وأرضيات من الحجر الطبيعي تهدف إلى تقليل امتصاص الحرارة، إلى جانب إعادة استخدام المياه الرمادية وتصميمات مفتوحة من الطوب تساعد على تدفق الهواء.
كما تحدث استوديو بينوي عن هياكل للتبريد السلبي تحرّك الهواء، بالإضافة إلى الرذاذ الصادر عن العناصر المائية. ومع ذلك، تظل هذه خصائص وأهدافًا تصميمية معلنة، بينما يحتاج تقييم أدائها البيئي الفعلي إلى بيانات تشغيلية واضحة.
أما اللون، فيقدم وسيلة أسرع وأكثر مرونة لصناعة هوية للمكان. فبدلًا من الاعتماد الكامل على الدرجات المحايدة المرتبطة تقليديًا بالرفاهية، تستخدم المتاجر أسطحًا مشبعة بالألوان، ومرايا ملونة وإضاءة متعددة الدرجات لصناعة بيئات يسهل تذكرها.
يمكن للون أن يميز بين مناطق المتجر المختلفة، أو يشير إلى فعالية مؤقتة، أو يغير مظهر مادة مألوفة من دون إعادة بناء المساحة المحيطة بها.
التجربة ليست مستدامة بالضرورة
قد تقلل التصميمات القابلة للتكيف الحاجة إلى عمليات التجديد الكاملة والمتكررة. كذلك يمكن للإضاءة الموفرة للطاقة والتبريد السلبي وإعادة استخدام المياه والمواد المحلية المتينة أن تحسن الأداء البيئي.
لكن التجزئة القائمة على التجربة ليست مستدامة بطبيعتها. فالمساحات الأكبر، والتركيبات الرقمية، والفعاليات المتكررة، والعروض التي تتغير باستمرار، قد تستهلك قدرًا كبيرًا من الطاقة والمواد. لذلك يجب الفصل بين الادعاءات المتعلقة بالاستدامة وتلك التي تتحدث عن الأجواء. قد تبدو المساحة طبيعية لاحتوائها على الحجر والمياه والنباتات، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنها تقلل أثرها البيئي.
ستكون المشروعات الأكثر إقناعًا هي تلك التي تسمح فيها المرونة بإطالة عمر التصميم الداخلي، وتخفض أنظمة الإضاءة استهلاك الطاقة، ويمكن إثبات فاعلية الحلول البيئية من خلال نتائج قابلة للقياس.
في دبي والدوحة والرياض، يصبح قطاع التجزئة الفاخرة أقل شبهًا بمنصة لعرض المنتجات، وأكثر اقترابًا من مفهوم الضيافة. وصار النجاح يُقاس بقدرة المكان على منحهم سببًا للبقاء، ثم سببًا آخر للعودة.