كيف تدعم مدينة نيويورك الجالية اللبنانية المبدعة في الخارج؟ وجدنا الإجابة مع ماريا صقر، التي استذكرت حديثاً دار في نادي الكتاب الخاص بها، وهو نادٍ شهري لقراءة الأدب العربي أسسته في نيويورك: بمجرد وصولك إلى نيويورك، يزداد تعلقك بهويتك، لا العكس. مهّدت هذه الذكرى الطريق لحديثنا في ردهة شقتها في بروكلين، بينما ظهر وراءها في الخلفية أفق مانهاتن الجميل.

(Image: Self-portrait by Maria Sakr)
ما الذي جذبك إلى مدينة نيويورك؟
كانت خطتي دائماً أن أسافر إلى الولايات المتحدة. عندما كنت أقرر في طور اختيار البلد الذي سأذهب إليه للدراسة الجامعية، كنت أميل نحو لوس أنجلوس – جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، وجامعة جنوب كاليفورنيا، ومعاهد السينما الكبرى. لكنني كنت في السادسة عشرة من عمري، وكان والداي قلقين من إرسالي إلى هذا المكان البعيد حيث لا توجد عائلة قريبة مني. لذلك ذهبت إلى معهد السينما في لبنان بدلاً من ذلك. بعد التخرج، كانت الولايات المتحدة لا تزال في تفكيري، ولكنني شعرت أن لوس أنجلوس مهيأة للأفلام، وكان لدى مدينة نيويورك مساحة لمنافذي الإبداعية الأخرى: الكتابة والموسيقى والفن. لقد وجدت برنامجاً في The New School، فتقدمت وانضممت إليه، وأمضيت في مدينة نيويورك سبع سنوات حتى الآن، وأنا بالفعل أشعر بالحنين إلى بعض الشوارع والأماكن فيها.
كيف تتعامل مع الحنين إلى لبنان؟
كانت آخر زيارة لي إلى لبنان في مارس الماضي. في كل مرة أزورها، أجد شيئاً جديداً، ليس بالضرورة مثيراً. أنا شخص يشعر كثيراً بالحنين، لذا أحاول ألا أستسلم له، فالتغيير حتمي، ولن يعود شيء كما كان في عام 2019 أو حتى العقد الذي سبقه. لكن بالطبع تغير الوضع. رحل بعض الناس، وتغيرت الأوضاع المعيشية، لكن الفرح يبقى حاضراً رغم كل شيء.
في نيويورك، أتعامل مع هذا الحنين بطرق مختلفة، كالمشي في الجادة السادسة وصولاً إلى شارع 14، أو المرور أمام باب شقتي الأولى، أو استحضار ذكريات عام 2022، عندما شاهدت إحدى فرق الروك المفضلة لدي، Porcupine Tree، في قاعة راديو سيتي الموسيقية.
حدّثينا عن تجربتك في مشاهدة فيلم “هل تحبني؟” للمخرجة لانا ضاهر في سينما متروغراف في الجانب الشرقي السفلي من مانهاتن.
لو أتيحت لي فرصة إخراج فيلم، لكان على هذا النحو تحديداً. لقد جسّدت جوهر لبنان بكل تفاصيله، من حزن وخطر وموت وحياة وسعادة وكراهية، في 75 دقيقة فقط. بكيت طوال الفيلم، صدقيني.
كيف أصبحت مصورة؟
بدأتُ التصوير في لبنان كهواية جانبية، جرّبت تصوير الفعاليات الموسيقية، والعائلات، وشوارع المدينة. عندما انتقلتُ إلى نيويورك وبدأتُ أحتاج إلى كسب لقمة العيش، سجلتُ اسمي في تطبيق Thumbtack، وهو أشبه بملف تعريف لممارسي المهنة المستقلين، وهكذا حصلتُ على أول فرصة لتصوير حفل زفاف في قاعة المدينة. بعد ذلك، كان الأمر عبارة عن مراسلات عبر الرسائل الخاصة والبريد الإلكتروني، في البداية، كنتُ أُرفض الطلبات في أغلب الأحيان. فأنا أُذكّر نفسي دائماً بوجود العديد من المصورين الموهوبين هنا في نيويورك، لذا أعتبر ذلك فرصةً للاطلاع على أعمال الآخرين واستلهام الأفكار منهم، وفي الوقت نفسه أُحسّن مهاراتي.

(Credit: NYC Wedding Photographs by Maria Sakr)
كيف تمكنت من التواصل مع الجالية العربية في نيويورك؟
تُقام في نيويورك العديد من الفعاليات التي تُركز على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كان من الطبيعي أن أشارك فيها. كنتُ أبحث عن الفعاليات التي تُثير اهتمامي وأحضرها، أو أتواصل مع المنظمين، وأحياناً أعرض عليهم إحضار كاميرا. هكذا كوّنتُ معظم علاقاتي، مع أشخاص مثل كريم رحمة، وباسم يوسف، وفرقة Brooklyn Maqam.

(Left Credit: Kareem Rahma and Karina Muslimova’s, Right Image: Event at Brooklyn Maqam, both by Maria Sakr)
حدّثيني عن جلسة تصوير مجلة Rolling Stone الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
كانت هذه الجلسة من أبرز أحداث عام 2025 بالنسبة لي. كنتُ أنا والمحرر صديقين على إنستغرام لسنوات قبل أن يعرض عليّ فكرة الغلاف. كانت المديرة الإبداعية رائعة، وسارت جلسة التصوير بسلاسة، وانتهت على سطح منزلها في كراون هايتس، حيث التُقطت صورة الغلاف. والمثير للدهشة أنني كنت قد اكتشفت موسيقاها على برنامج NPR Tiny Desk قبل جلسة التصوير بفترة. لقد كانت لحظة رائعة اكتملت فيها الدائرة.

(Credit: Alsarah & The Nubatones for Rolling Stone MENA, by Maria Sakr)
ما علاقتك بالموسيقى؟
أنا أنتمي لعائلة موسيقية. كانت والدتي تغني، وكان والدي يعمل كمنسق موسيقي في الجامعة، وعمي عازف طبول محترف. كان لدى والدي خزائن مليئة بأشرطة الكاسيت: آبا، ميتاليكا، فيروز، نجوى كرم، إديث بياف، والقائمة تطول. عندما كنا صغاراً، كان عمي يضع سماعات عازلة للضوضاء على أذني وأذن ابنه لحماية آذاننا بينما كان يعزف على الطبول على أنغام موسيقى الروك الصاخبة، لم يكن أمامنا خيار سوى الانغماس في الموسيقى. استمر هذا الإعجاب بالموسيقى معي في نيويورك. أحب تصوير فرقة Brooklyn Maqam، وهي مجموعة من الموسيقيين المذهلين الذين يقدمون تحية رائعة لثقافتنا في كل عرض.

(Event at Brooklyn Maqam by Maria Sakr)
لو كان بإمكانك العزف على أي آلة موسيقية، فماذا ستختارين؟
آلة الباس. سواء كانت كونترباس أو غيتار.
ما هي بعض التقاليد اللبنانية التي حافظتِ عليها في نيويورك؟
الطعام واللغة. أنا وزوجي نعتمد أسلوب “لغة واحدة لكل والد”: أنا الوالدة العربية، لذا أتحدث العربية حصراً مع ابنتنا. هي تقول “هالو” بدلاً من “جميلة”، و”مايا” بدلاً من “ماي”. أعلّمها اللهجات التي نشأتُ عليها.
أما بالنسبة إلى الطبخ المنزلي، فأقصد متجر Edy’s Grocer الذي يديره Edy Massih، وقد نجح في ابتكار متجر جميل يعجّ بالحنين إلى الماضي. وإلا، فأقصد مطعم ilili في منطقة NoMad، أو Nabila’s وHuda في بروكلين.
ما الذي تخططين له في المستقبل؟
أعمل على تحقيق بعض أهدافي للعام الجديد. الكتابة أحدها، ربما مقال مصور، أو ربما قصة، لا شيء يُرهبني أكثر من صفحة بيضاء. أما بالنسبة للتصوير، فقد أصبحت جلسات تصوير حفلات الزفاف منتظمة، وأتطلّع لتكليفي بالمزيد من المهام، بالإضافة إلى التفاعل مع المشهد الفني لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في نيويورك.