A7 Magazine

    • حين توقف الفن والموضة عن التظاهر بأنهما عالمان منفصلان

      حين توقف الفن والموضة عن التظاهر بأنهما عالمان منفصلان

      • 20 August 2026
      • بقلم Norah Nagi
        المقال مكتوب باللغة العربية
    • تتعامل المعارض الجديدة مع الملابس باعتبارها صورة ونحتًا وأداءً وذاكرة وطقسًا اجتماعيًا في الوقت نفسه، وليس مجرد إثبات أن الموضة تستحق مكانًا بجوار الفن.

  • حين توقف الفن والموضة عن التظاهر بأنهما عالمان منفصلان

    Images: @copenhagen_contemporary

 

 

على مدار عقود، ظلت علاقة الموضة بالفن محكومة بسؤال متكرر: هل يمكن اعتبار الفستان عملًا فنيًا؟ يفترض السؤال وجود مجالين منفصلين؛ أحدهما يُعرض داخل المتاحف والآخر على منصات الأزياء، أحدهما يُصنع للتأمل والآخر للارتداء. وكلما اقترب مصمم من الرسم أو النحت، قُدّمت التجربة بوصفها لحظة استثنائية تعبر الحدود بين العالمين.

 

لكن في 2026، لم يعد هذا الفصل مقنعًا كما كان. تتعامل المعارض الجديدة مع الملابس باعتبارها صورة ونحتًا وأداءً وذاكرة وطقسًا اجتماعيًا في الوقت نفسه، وليس مجرد إثبات أن الموضة تستحق مكانًا بجوار الفن.

 

يكشف معرضان مختلفان هذا التحول. في لندن، يعود Schiaparelli: Fashion Becomes Art في متحف V&A إلى إرث إلسا سكياباريلي، التي رفضت الفصل بين تصميم الملابس والسريالية منذ عشرينيات القرن الماضي. وفي كوبنهاغن، ينطلق Shapeshifters – Magic in Art & Fashion من نقطة أكثر جرأة: لا يسأل إن كانت الملابس فنًا، وإنما يستخدمها وسيطًا للحديث عن الهوية والهجرة والروحانية والفقد والتحول.

 

 

 

Image: @schiaparelli

 

 

 

بين المعرضين قرن تقريبًا، لكن المسافة الأهم بينهما ليست زمنية. الأول يوثق اللحظة التي بدأت فيها الموضة تدخل في حوار مباشر مع الفن، بينما يكشف الثاني ما يحدث حين لا يعود هذا الحوار بحاجة إلى تعريف.

 

 

سكياباريلي: عندما أصبح التعاون تمردًا

 

قالت إلسا سكياباريلي ذات مرة إن تصميم الملابس لم يكن بالنسبة إليها مهنة، بل فنًا. لم يكن ذلك وصفًا رومانسيًا لعملها، وإنما إعلانًا عن الطريقة التي مارسته بها. لم تتعامل مع السريالية كمصدر إلهام تستعير منه رمزًا أو لونًا، وإنما دخلت في علاقات إبداعية مباشرة مع فنانين مثل سلفادور دالي وجان كوكتو ومان راي.

 

يستعيد معرض V&A هذه اللحظة من خلال أعمال تمتد من عشرينيات القرن الماضي حتى تصاميم المدير الإبداعي الحالي للدار، دانيال روزبيري. تظهر إلى جوار الأزياء أعمال فنية وصور ورسومات ووثائق تكشف شبكة التعاون التي تأسست عليها هوية سكياباريلي.

 

 

 

Image: @schiaparelli

 

 

 

 

نرى فستان Skeleton Dress لعام 1938، الذي صممته بالتعاون مع دالي، وقد تحولت عظام الجسد فيه إلى تضاريس بارزة على سطح القماش. ويظهر Tears Dress بنقوشه التي توحي بجلد ممزق، إلى جانب معطف السهرة الذي رسم كوكتو على ظهره وجهين يتحولان، عند النظر إليهما معًا، إلى مزهرية ممتلئة بالورود.

 

لا تقوم قوة هذه القطع على تحويل لوحة معروفة إلى طبعة فوق فستان. الأكثر راديكالية أنها تستخدم الجسد نفسه مساحة للعمل الفني. وهنا يظهر التعاون كشكل من أشكال التمرد على التصنيف. لا يقدم دالي فنًا تضيفه سكياباريلي إلى الموضة، وإنما ينتج الاثنان شيئًا ثالثًا لا يكتمل إلا فوق الجسد.

 

الملابس كطقس وتحول

 

يحافظ معرض سكياباريلي، رغم عنوانه الحاسم، على النقاش القديم. فقوله إن «الموضة تصبح فنًا» يوحي بوجود لحظة انتقال من حالة إلى أخرى. أما الجيل الذي يظهر في Shapeshifters فلا يبدو مهتمًا بإتمام هذا الانتقال، لأنه يبدأ من افتراض أن الحدود لم تعد مفيدة أصلًا.

 

يجمع Shapeshifters – Magic in Art & Fashion اثني عشر فنانًا من منطقة الشمال الأوروبي في مركز Copenhagen Contemporary. ولا تقتصر الأعمال على أزياء معروضة بجوار لوحات، بل تشمل المنسوجات والنحت والفيديو والأداء وممارسات تستخدم ما نرتديه لفهم علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين.

 

 

 

Images: @copenhagen_contemporary

 

 

 

 

ينطلق المعرض من تجربة يعرفها الجميع: نرتدي شيئًا، فتتغير الطريقة التي نقف بها أمام العالم. الزي الرسمي، وفستان الزفاف، والحجاب، والملابس الاحتفالية ليست أقمشة محايدة؛ إنها تعلن انتقالًا، أو انتماءً، أو رفضًا، وقد تمنح صاحبها هوية مؤقتة أو تعيده إلى ذاكرة بعيدة.

 

 

Images: @copenhagen_contemporary

 

 

 

 

تتناول الأعمال موضوعات مثل الأصل والهجرة والروحانية والخسارة والتعافي، لتتحول الملابس إلى وسيلة لحمل تجارب لا يستطيع الشكل الجمالي وحده التعبير عنها. حتى اختيار المشاركين يعكس تغيرًا في اللغة. يقدمهم المعرض باعتبارهم فنانين، مع أن ممارساتهم تعبر بحرية بين تصميم الملابس والنسيج والأداء. لا تبدو الحاجة ملحة إلى تحديد ما إذا كانت النتيجة تنتمي إلى الموضة أو الفن، لأن قيمتها تأتي تحديدًا من قدرتها على العمل في المسافة بينهما.

 

لماذا تختفي الحدود الآن؟

 

لا يأتي هذا التحول نتيجة تطور جمالي فحسب، بل لأن الطريقة التي نفهم بها الفن نفسه قد تغيرت. لم يعد العمل الفني بالضرورة لوحة أو منحوتة مستقلة؛ فقد يكون فعلًا، أو تجربة، أو جسدًا يتحرك داخل مساحة. وفي المقابل، لم تعد الموضة تُفهم باعتبارها صناعة تنتج سلعًا موسمية فقط، بل أصبحت تبتكر صورًا وعروضًا وأفلامًا وبيئات تحمل أفكارًا سياسية واجتماعية وثقافية.

 

كما طرحت قضايا الهوية والجندر والهجرة والاستدامة أسئلة لا تلتزم بالتصنيفات التقليدية. فعندما يستخدم فنان قطعة ملابس لاستكشاف الذاكرة أو الانتماء، يصبح السؤال عمّا إذا كانت تنتمي إلى الموضة أم الفن غير ذي صلة. وحين يبني مصمم عرضًا حول الجسد والتحول، يصبح من الصعب بالقدر نفسه اختزال النتيجة في مجموعة تجارية.

 

يستمر معرض Schiaparelli: Fashion Becomes Art في متحف V&A حتى 8 نوفمبر 2026، بينما عُرض Shapeshifters – Magic in Art & Fashion في Copenhagen Contemporary من 26 يونيو إلى 6 سبتمبر 2026.