A7 Magazine

    • السعودية تفتح فصلاً جديداً في الفن والثقافة من العُلا إلى الدرعية

      السعودية تفتح فصلاً جديداً في الفن والثقافة من العُلا إلى الدرعية

      • 18 August 2026
      • بقلم Dyana Farhat
        المقال مكتوب باللغة العربية
    • في غضون بضع سنوات فقط، أصبحت المملكة العربية السعودية وجهة رئيسية للفن والثقافة في المنطقة العربية، حيث تقدم أشكالاً من التعبير الفني لا تنفصل عن الماضي، بل تستمد منه لخلق لغة جديدة أكثر ارتباطاً بالحاضر وبالعالم الأوسع.

  • السعودية تفتح فصلاً جديداً في الفن والثقافة من العُلا إلى الدرعية

 

 

ثمة ما يثير الحماس في المشهد الثقافي والفني المتنامي الذي يشهده العالم العربي مؤخراً، ولا سيما في المملكة العربية السعودية. فقد برزت المملكة خلال السنوات القليلة الماضية كوجهة فنية عالمية، ترحب بالزوار من شتى أنحاء العالم، وتُعرّفهم بتراثها وثقافتها العريقة.

 

وتتسم المعارض الناشئة في هذه المرحلة بتنوعها وطموحها المتزايدين، إذ تُقدّم سرداً بصرياً أكثر ثراءً من خلال تباينها مع المناظر الطبيعية المحيطة، وهو ما يفوق بكثير ما يمكن أن تُقدّمه جدران صالات العرض التقليدية. لم يعد الفن محصوراً في صالات العرض، فقد أصبحت المناظر الصحراوية والتكوينات الصخرية المهيبة والمواقع التاريخية جزءاً لا يتجزأ من المشهد، لتُشكّل خلفياتٍ لعددٍ متزايد من الأعمال الفنية والمبادرات الثقافية. حتى أساليب تنظيم هذه الأعمال أصبحت أكثر ابتكاراً، مع إيلاء اهتمام أكبر للتفاعل بين العمل الفني والبيئة التي يُعرض فيها.

 

 

 

Image: AlUla, Shutterstock

 

 

 

 

تتخلل المناظر الطبيعية أعمالٌ فنية ضخمة، من منشآت ومنحوتات وأعمال معاصرة، لتخلق مشاهدَ قد تبدو مستقبلية وغير مألوفة، مع الحفاظ على جذورها العميقة في الثقافة والتراث السعودي. ولذا انتشرت صور هذه المعارض على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي. في السعودية، بعدما تطور الفن ليصبح تجربةً حيةً، تربط الحاضر بالماضي من خلال منظور معاصر وإبداعي مميز.

 

 

 

Image1&2: Diriyah, Shutterstock, Images 3: Diriyah, Pinterest

 

 

 

 

قراءة جديدة لإرث الحضارات الإسلامية في الدرعية

 

بسرعة قياسية شهدت كل من العُلا والدرعية ازدهاراً كبيراً، حيث تحولتا إلى مراكز إبداعية عالمية تمزج التراث العريق بالفنون المعاصرة، فالعلا تحتضن مهرجانات مثل “فنون العلا” ومعرض “الأبد هو الآن” وسط آثارها التاريخية، بينما تبرز الدرعية عبر حي JAX Creative District الإبداعي وفعاليات “بينالي الدرعية للفن المعاصر” الذي يقدم أعمالاً فنية عالمية مستوحاة من التحولات الثقافية والتاريخية. الوجهتان أصبحتا كل على حدة، جزءاً من برنامج ثقافي حي يتغير من موسم إلى آخر، ولم تعد زيارتهما تقتصر على مشاهدة المباني والآثار.

 

بدورها تساهم المؤسسات الفنية في تعزيز هذا التحول. فقد وفّر إطلاق برامج وإقامات فنية مثل Intermix التابعة لهيئة الفنون البصرية السعودية، إلى جانب توسع برامج Diriyah Art Futures، بنية تحتية ومساحات للإقامات والتكليفات الفنية ومنصات لعرض الأعمال، مع فتح المجال أمام ممارسات جديدة في مجال تنظيم المعارض.

 

ومن أبرز الفعاليات المنتظرة “بينالي الفنون الإسلامية” في نسخته الثالثة، الذي أعلنت مؤسسة بينالي الدرعية عن تنظيمه في الفترة من 1 نوفمبر 2027 حتى 1 مارس 2028، في مبنى صالة الحجاج الغربية بمطار الملك عبدالعزيز الدولي في جدة.

 

يُعدّ هذا البينالي الأول من نوعه عالمياً والمخصص لفنون الحضارات الإسلامية، وتتمحور فكرته الأساسية حول عرض الأعمال التاريخية جنباً إلى جنب مع الابتكارات الفنية المعاصرة، مما يتيح للزوار فرصة استكشاف الفن الإسلامي من زوايا نظر مختلفة بدلاً من الاقتصار على منظور واحد ثابت.

 

 

 

Image1: AlUla, Shutterctock, Image 2 &3: AlUla Moments Instagram

 

 

 

 

العلا مركز الفن الحديث المنبثق من قلب التاريخ

 

لمنطقة العُلا رمزية كبيرة في العالم العربي، فهي من المناطق التي ارتبطت تاريخياً بالأديان السماوية ومرّت عليها حضارات متعاقبة تركت فيها أثاراً فريدة من نوعها. من قوم عاد وثمود إلى مدائن صالح ذات الأهمية الدينية. ورغم هذا التاريخ الضارب في القِدم، تحولت العُلا إلى مركز للفنون المعاصِرة، مستفيدةً من طبيعتها الصحراوية وآثارها التي تضفي بُعداً بصرياً وثقافياً.

 

ويُعدّ مهرجان العلا للفنون في طليعة هذه الفعاليات، بمعارضه في الهواء الطلق وبرامجه الثقافية وفعالياته الموسيقية، مُقدّماً للزوار تجربة فريدة لاستكشاف المنطقة. المناظر الطبيعية الخلابة للعلا، بتكويناتها الشاسعة ورمالها الصحراوية الحمراء، جعلت منها بيئة مثالية للعديد من الفعاليات الثقافية، بما في ذلك Desert X AlUla الذي يُحوّل وديانها وتكويناتها الصخرية إلى فضاء فني مفتوح يعرض أعمالاً فنية ضخمة لفنانين سعوديين وعالميين. وهناك أيضاً معرض “أرضنا”، الذي تم تقديمه بالتعاون مع مركز بومبيدو في باريس، والذي يجمع أكثر من 80 عملاً فنياً من مجموعات كلا المؤسستين بالإضافة إلى المتحف الوطني للفن الحديث، مما يضع العلا ضمن شبكة المؤسسات الفنية العالمية الرائدة ويقدم المنطقة كمساحة قادرة على استضافة حوارات فنية معاصرة جادة.

 

 

 

Images: AlUla Moments Instagram

 

 

 

ثم يأتي وادي الفن، أحد أكثر مشاريع العلا طموحاً على المدى الطويل. يقع المشروع في وادٍ يمتد على مساحة 65 كيلومتراً مربعاً تقريباً، ويهدف إلى تقديم أعمال فنية دائمة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالموقع والمناظر الطبيعية المحيطة به. يضم المشروع فنانين عالميين مرموقين مثل جيمس توريل، ومايكل هايزر، وأغنيس دينيس، إلى جانب الفنانين السعوديين أحمد مطر ومنال الدويان.

 

هكذا، تتحول العلا إلى ما هو أبعد من مجرد وجهة سياحية موسمية، حيث تشير مشاريع مثل Desert X و”أرضنا” إلى منظومة ثقافية متكاملة تجمع بين المؤسسات الدولية والفنانين المحليين، وتربط التراث بالفن المعاصر. يصبح المشهد الطبيعي نفسه جزءاً من التجربة الفنية، حيث تندمج صحاريه وجباله وتاريخه في العمل الفني بدلاً من أن تكون مجرد عناصر محيطة به. يُنظر إلى العلا الآن كمتحف مفتوح، تتطور هويته الفنية والثقافية باستمرار.

 

في غضون بضع سنوات فقط، أصبحت المملكة العربية السعودية وجهة رئيسية للفن والثقافة في المنطقة العربية، حيث تقدم أشكالاً من التعبير الفني لا تنفصل عن الماضي، بل تستمد منه لخلق لغة جديدة أكثر ارتباطاً بالحاضر وبالعالم الأوسع.