حين ينتهي عرض لجون غاليانو، تبقى صورته أكثر مما تبقى تفاصيل ملابسه. نتذكر العارضات كأنهن شخصيات هربت من أزمنة أخرى، والماكياج المسرحي، والموسيقى، والمساحات التي تتحول إلى عالم مغلق له قوانينه الخاصة. لكن الصورة التي تصل إلى الجمهور لا تكشف سوى اللحظة الأخيرة من عملية طويلة، تبدأ قبل ذلك بكثير داخل دفاتر البحث وبين قصاصات الصور والرسومات والأقمشة والنماذج غير المكتملة.
في عام 2027، سيحاول متحف المتروبوليتان في نيويورك العودة إلى ما يسبق تلك اللحظة. يقدم معرض John Galliano: Horizons أكثر من 200 إطلالة، لكنه لا يكتفي بجمع أشهر الفساتين من مسيرة المصمم. فإلى جانب الملابس، يضم الإكسسوارات والرسومات والنماذج القماشية الأولية ودفاتر البحث والصور ولقطات العروض والوثائق الأرشيفية.
بهذا، لا يصبح الأرشيف خلفية للمعرض، بل موضوعه الحقيقي: كيف تنتقل صورة عابرة من رأس المصمم إلى الورق، ثم إلى القماش، قبل أن تتحول على المنصة إلى ذاكرة بصرية مشتركة؟
قبل أن تصبح الملابس عرضًا
لم يتعامل غاليانو مع المجموعة باعتبارها سلسلة من الإطلالات المنفصلة. كان يبني لها زمنًا ومكانًا وشخصيات، ثم يستخدم الملابس لتوسيع الحكاية. قد تبدأ الفكرة من لوحة أو رواية أو وضعية جسد في صورة قديمة، قبل أن تختلط بمراجع من السينما والتاريخ والجغرافيا والملابس الشعبية.
لذلك، تبدو مشاهدة القطعة النهائية وحدها غير كافية لفهم عمله. ما يضيفه الأرشيف هو المسافة بين المرجع والنتيجة: ما الذي احتفظ به المصمم من الصورة الأولى؟ وما الذي غيّره؟ وكيف تحولت تفاصيل تنتمي إلى سياقات متباعدة إلى إطلالة تبدو، في النهاية، وكأنها لا يمكن أن توجد إلا داخل عالم غاليانو؟
يحمل عنوان Horizons إشارة إلى هذه الطريقة في التفكير. فالأفق ليس وجهة يصل إليها المصمم، وإنما نقطة تتقاطع عندها مصادر لا تنتمي ظاهريًا إلى بعضها. التاريخ لا يظهر لديه في صورة إعادة إنتاج أمينة، بل يدخل في مواجهة مع الحاضر، فيما تتحول الذاكرة والمادة والجسد إلى عناصر داخل عملية مستمرة من إعادة التأليف.

Images: @maisonmargiela
القطع التي صنعت البداية
يعود المعرض إلى عام 1984، حين قدم غاليانو مجموعة تخرجه Les Incroyables في كلية Central Saint Martins. استلهمت المجموعة أزياء فرنسا بعد الثورة، لكنها مزجت المرجع التاريخي بطاقة شبابية قادمة من مشهد الـNew Romantic في لندن. اشترى متجر Browns المجموعة كاملة، لتتحول تجربة طالب إلى بداية واحدة من أكثر المسيرات تأثيرًا في الموضة المعاصرة.
يحتفظ المتروبوليتان بقطع من هذه المجموعة، وستظهر ضمن المعرض إلى جانب أعمال من علامته الخاصة وGivenchy وDior وMaison Margiela . لكن وضع هذه المراحل داخل مساحة واحدة لا يهدف فقط إلى تسجيل انتقاله بين الدور، وإنما إلى تتبع ما تغيّر وما بقي ثابتًا في طريقته.
في سنواته الأولى، صنع غاليانو عوالمه من موارد محدودة ومواد بسيطة، معتمدًا على القص والبناء والقدرة على منح القماش حركة وشخصية. وفي Dior، أصبح الخيال أكبر حجمًا وأكثر بذخًا، مدعومًا بإمكانات واحدة من أعرق دور الكوتور. أما في Maison Margiela، فعاد اهتمامه إلى أثر اليد والخداع البصري وتفكيك شكل القطعة قبل إعادة بنائها.

Images: @maisonmargiela
الحرفة التي حجبها الاستعراض
قد يكون نجاح غاليانو في صناعة الصورة هو ما أخفى أحيانًا أكثر جوانب عمله أهمية. فحين تبدو المنصة بهذا القدر من الإبهار، يصبح من السهل النظر إلى الملابس باعتبارها جزءًا من الديكور. لكن الرسومات والنماذج وجلسات القياس تعيد الانتباه إلى البنية التي تحمل هذا الخيال.
لا يولد الفستان المسرحي من فكرة كبيرة فقط، بل من سلسلة من القرارات الصغيرة المتعلقة بالقص والتوازن والوزن والحركة وعلاقة القماش بالجسد. ويكشف الأرشيف كم مرة تتغير الفكرة قبل الوصول إلى شكلها النهائي، وكيف يمكن لتجربة فاشلة أو نموذج غير مكتمل أن يقودا إلى أحد أكثر التصاميم شهرة.
وتبدو هذه القراءة مهمة خصوصًا بعد مجموعة Maison Margiela Artisanal لربيع 2024. أثارت المجموعة انتشارًا واسعًا بسبب شخصياتها الغريبة وأجسادها الشبيهة بالدمى، لكن ما منح الصورة قوتها كان مستوى الحرفة الذي جعل القماش يبدو مبللًا، والجلد خزفًا، والجسد شيئًا يقع بين الحقيقة والوهم.
هل يستطيع الأرشيف أن يكون محايدًا؟
لا تُجمع المواد الأرشيفية في فراغ، ولا يتحول المصمم إلى تاريخ لمجرد وضع أعماله خلف الزجاج. ولهذا لن يتجاوز المعرض أزمة عام 2011، حين أُقيل غاليانو من Dior ومن علامته الخاصة بعد تصريحاته العنصرية، ثم أُدين أمام محكمة فرنسية.
يتناول قسم Bearings هذا الانقطاع وما ترتب عليه، بينما يبحث Horizons في مصادر إلهامه، ويركز Atlas of Transformation على الحرفة والتجريب والابتكار التقني. ولا يقدم هذا التقسيم الفضيحة بوصفها حاشية منفصلة عن العمل، وإنما باعتبارها حدثًا غيّر الطريقة التي يُقرأ بها ذلك العمل.
وهنا يواجه المتروبوليتان أكثر أسئلة المعرض صعوبة. فالأرشيف قادر على حفظ الملابس والرسومات وتوثيق عملية التصميم، لكنه لا يستطيع أن يثبت قراءة واحدة للإرث. وكلما كشف عن عمق تجربة غاليانو الإبداعية، عاد السؤال عن الحدود بين تفسير الأثر والاحتفاء بصاحبه.
ما يبقى بعد اختفاء المشهد
يفتتح John Galliano: Horizons في 9 مايو 2027 ويستمر حتى 9 يناير 2028. وسيصبح غاليانو ثالث مصمم على قيد الحياة يخصص له معهد الأزياء في المتروبوليتان معرضًا فرديًا، بعد إيف سان لوران وري كاواكوبو.
لكن أهمية المعرض لا تكمن في تثبيت موقعه داخل تاريخ الموضة فحسب. للمرة الأولى، ستُعرض أجزاء متباعدة من عمليته الإبداعية معًا، من المراجع الأولى إلى القطعة المكتملة. وسيتمكن الزائر من رؤية ما لا يظهر عادة في الصورة النهائية: التردد والتجربة والعمل اليدوي والتعديلات التي تسبق لحظة العرض.
صنع غاليانو شهرته من قدرته على جعل الموضة تبدو كالحلم. أما المتروبوليتان، فيعيدنا إلى طاولة العمل ليرينا كيف صُنع ذلك الحلم، غرزة بعد أخرى.