يترك أسبوع الهوت كوتور عادةً اتجاهاً واضحاً يسيطر على الموسم التالي؛ كتفاً أعرض، أو خصراً أكثر تحديداً، أو تنورة تعيد صياغة النِّسب. لكن عروض باريس هذا الموسم لم تقدّم شكلاً واحداً يمكن اختزاله في “صيحة”. فمن منحوتات Ashi Studio المعمارية، إلى الكورسيه التشريحي لدى Schiaparelli، مروراً بتجارب Duran Lantink على النِّسب في أول مجموعة هوت كوتور له مع Jean Paul Gaultier، وصولاً إلى الأشكال شبه الطافية التي قدّمتها Iris van Herpen، بدا واضحاً أن السيلويت لم يعد هو القصة. ما تكرر بين كل هذه العروض لم يكن الشكل، بل الفكرة.
لم يعد المصممون يتعاملون مع هيئة الجسد بوصفها نقطة انطلاق ثابتة، وإنما كمادة خام يمكن تشكيلها، وتفكيكها، وإعادة بنائها بحرية كاملة. وربما كانت هذه هي الحكاية الأهم، والأكثر جرأة، في أسبوع الهوت كوتور لهذا الموسم.
في Ashi Studio، بدا السيلويت وكأنه انفصل تماماً عن مفهوم الملابس التقليدي. أكتاف حادة، وخصور منحوتة، وأحجام مبالغ فيها صنعت حضوراً مستقلاً لا يكترث كثيراً بالجسد المختبئ تحتها. لم يكن الهدف إبراز القوام أو تجميله، وإنما ابتكار جسد جديد مع كل إطلالة. وتحركت العارضات كما لو كنّ منحوتات معروضة على قواعد، أكثر من كونهن نساء يرتدين أزياء كوتور، وهو ما بدا مقصوداً تماماً.

AshiStudio@
أما Schiaparelli فوصلت إلى النتيجة نفسها عبر طريق مختلف. صحيح أن الكورسيه كان حاضراً بقوة في معظم عروض الموسم، لكنه هنا لم يؤدِّ دوره التقليدي في نحت الخصر، بل تحوّل إلى البنية الأساسية للقطعة نفسها. أصبحت الدروع الصدرية المنحوتة، والتشكيلات التشريحية، هي العنصر الرئيسي، متقدمة على أي زخرفة أو تطريز.

Schiaparelli@
وجاءت أول مجموعة هوت كوتور لـ Duran Lantink مع Jean Paul Gaultier لتدفع هذه الفكرة إلى منطقة أقل توقعاً. لم يكن الكورسيه استدعاءً لأرشيف الدار بقدر ما كان أداة داخل تجربة أوسع لإعادة التفكير في النِّسب. مزج لانتينك بين الخياطة الواسعة، والبنى الصلبة، وتقنيات تطوير رقمية، فخرجت المجموعة مألوفة وغريبة في الوقت نفسه. وحتى المجسم التشريحي الذي أصبح أحد أكثر إطلالات العرض تداولاً لم يكن مجرد استعراض للتكنولوجيا، قدر ما كان دراسة دقيقة لإعادة تشكيل الجسد عبر البنية، في بداية واثقة لمصمم يتولى قيادة الدار للمرة الأولى.
ولم تكن البنية وحدها هي التي أعادت تعريف الجسد، ولكن لعب الحجم دوراً أساسياً أيضاً. ففي أكثر من مجموعة، ابتعدت الملابس عن ملامسة الجسم، مفضلة أن تحيط به بدلاً من أن تتبعه. أكتاف أعرض، وتنورات واسعة، وأحجام نحتية خلقت مسافة واضحة بين الجسد والملبس. ولم يكن ذلك استعراضاً بصرياً من أجل المبالغة، وإنما محاولة لإعادة رسم الحدود بين أين ينتهي الجسد وأين تبدأ البنية.

JeanPaulGaultier@
أما Iris van Herpen، فقد واصلت الحوار الذي تخوضه منذ سنوات حول العلاقة بين الجسد والفراغ. بدت طبقات مجموعتها وكأنها تحوم حول الجسم بدلاً من أن تستقر فوقه، بينما شاركت الحركة والضوء في تشكيل التصميم بقدر مشاركة القماش نفسه. لم يكن الشكل ثابتاً أو نهائياً، بل ظل يتغير مع كل خطوة، وكأنه كائن حي يعيد تشكيل نفسه باستمرار.

Iresvanherpen@
ورغم كل ذلك، لم ينتج الموسم سيلويت واحداً يمكن اعتباره عنواناً للهوت كوتور، وربما تكمن أهمية الموسم في هذه الحقيقة تحديداً. فما يجمع Ashi Studio وSchiaparelli وJean Paul Gaultier وIris van Herpen ليس تشابه الأشكال، وإنما الإيمان بأن البناء أهم من الزخرفة، وأن تصميم الهيئة نفسها أصبح أكثر أهمية من تزيينها. استخدم كل منهم أدوات مختلفة؛ العمارة، أو الكورسيه، أو الأحجام، أو الخداع البصري، لكن الجميع تعامل مع السيلويت بوصفه مساحة مفتوحة للتجريب، لا قالباً جاهزاً يجب اتباعه.
هذا الموسم، لم يقدّم الهوت كوتور شكلاً جديداً للجسد، بل طرح سؤالاً أكثر إثارة: هل نحتاج أصلاً إلى سيلويت واحد يعرّف العصر؟ ربما لم يعد الشكل موضةً موسمية، بل أصبح مساحة لا نهائية لإعادة الابتكار.