عندما أصبح شاي الماتشا ظاهرة عالمية، سرعان ما تطور من مجرد مشروب إلى رمز مرتبط بأسلوب الحياة والعافية. في الوقت نفسه، شهد مفهوم الرفاهية تحولًا دقيقاً. لسنوات، كانت العبوات الفاخرة، والمنتجات المصقولة بدقة، والتركيبات الغنية والفاخرة تُستخدم غالباً للدلالة على الترف، بدءاً من منتجات التجميل الفاخرة وصولاً إلى العطور ذات الطبقات المتعددة. أما اليوم، تمرّ هذه التصنيفات بحالة من التحوّل الجذري، وأصبحت الرفاهية مرتبطة أكثر بمفهوم Quiet Luxury وبالبساطة والمكونات العضوية والعودة للتواصل مع الطبيعة، ويُعدّ الشاي جزءاً من هذا التحول. فبعد أن كان مرتبطاً في الغالب بالشموع، ومنتجات العناية بالجسم، والعطور الخفيفة والمنعشة، يبرز الآن كمكون راقٍ في صناعة العطور الفاخرة.
هكذا، بدأنا نلاحظ أن سوق العطور، الذي هيمنت عليه لفترة طويلة روائح العود الفاخرة والعنبر والتركيبات القوية، يفسح المجال لروائح أكثر هدوءاً. وهنا يأتي دور الشاي كمكوّن عطري طبيعي ينسجم تماماً مع هذا التحول الأوسع نحو الفخامة الهادئة، فهو نظيف، أخضر، شفاف، معقد ولكن غير صاخب، ويضيف في الوقت نفسه العمق والثراء على التركيبة. وينسجم هذا التحول أيضاً مع تغير واضح في عاداتنا كمستهلكين، فالكثيرون منا لم يعودوا يبحثون عن عطر يملأ المكان، بل أصبحنا مهتمين أيضاً بالعطور التي نشعر معها بأنها شخصية، قريبة من بشرتنا وغير مباشرة.

Images: Amouage Instagram
في هذا الإطار، تبدو أمواج العلامة الأبرز التي يمكن أن تشكّل النموذج الأكثر وضوحاً لهذا التحوّل. هذه العلامة العُمانية ارتبطت دائماً بعبير العود واللبان والأخشاب الثمينة والراتنجات، وهذا بالذات ما يجعل استخدامها للشاي مثيراً للاهتمام: فهو يُظهر كيف يمكن لدار متجذرة في صناعة العطور الشرقية الراقية أن تستكشف تعبيراً أكثر هدوءاً عن الفخامة دون أن تفقد هويتها.
وهذا أيضاً ما يجعل عطور الشاي جذابة بالنسبة لي. فهي أنيقة ولكنها لا تطغى فوراً على المكان، بل تناسب المرأة “المحتفظّة” نوعاً ما، المرأة غير الصاخبة التي لا تريد لعطرها أن يعلن عن قدومها، وتفضّل أن يتم اكتشافه بينما تنخرط تدريجياً في العلاقات البشرية مع مَن حولها.
في عطر Amouage Elsewhere الذي صدر في الأصل تحت اسم Sindbad من ابتكار خبير العطور بيير نيغرين، يحتل الشاي الأسود مركز الصدارة إلى جانب الكابتشينو والدافانا. والنتيجة هي تركيبة خشبية حارة توازن بين حلاوة الفاكهة وطابع الشاي الداكن والعطري. وهذا ليس إصدار أمواج الوحيد الذي يتضمن هذا المكون. فعطر Amouage Epic Woman يجمع أيضاً بين شاي الياسمين والورد الدمشقي والتوابل، بينما يُدخل عطر Amouage Love Hibiscus نكهة شاي الكركديه اللاذعة في تركيبة زهرية رقيقة.

Images: Xerjoff Instagram
وأمواج ليست دار العطور الوحيدة التي استعانت بالشاي. فدار Xejoff أيضاً من العلامات التي اعتمدت النهج نفسه. تأسست دفي تورينو عام 2007، وبنت سمعتها على المكونات النادرة، والحرفية الدقيقة، والعطور الفاخرة. أصبح الشاي جزءاً لا يتجزأ من هذا التراث العطري، بفضل عطر 1986، الذي مزج الشاي مع اليوسفي وزهر البرتقال. أما في عطر Ceylon، من مجموعة Oud Stars، يحتل الشاي الأسود السيلاني مركز الصدارة إلى جانب العسل وخشب الصندل الهندي والعود الماليزي. وعلى الرغم من أن Xejoff معروفة بالمواد الخام النادرة وأسلوبها يميل تاريخياً إلى التركيبات الكثيفة، فإن استعمالها للشاي يكشف كيف يمكن لمكون هادئ أن يدخل إلى عالم شديد البذخ من دون أن يُفقده فخامته.. فحتى الدور التي بنت هويتها على الكثافة بدأت تجد قيمة أكبر في المكونات الرقيقة والخفيفة التي يمكن أن تتكامل بكثير من المرونة مع بقية النوتات العطرية.

Images: Ormonde Jayne Instagram
الشاي وجد مكاناً طبيعياً أيضاً في عطور Ormonde Jayne التي تأسست في لندن على يد ليندا بيلكينغتون، واكتسبت شهرة واسعة بفضل عطورها التي تعتمد على مواد خام مميزة وتركيبات أنيقة. مع الوقت أصبح الشاي الأخضر عنصراً أساسياً في عطور الدار، حيث يظهر على سبيل المثال في عطري Qi و Qi Intensivo، معززاً بنفحات الأوسمانثوس وزهر الليمون وقاعدة ناعمة من المتة. وفي عام 2025، استكشف عطر Gold Leaf، بإصداره المحدود، عالم الشاي بعمق أكبر، حيث جمع بين شاي أولونغ في مقدمته وشاي لابسانغ سوشونغ المدخن. من خلال هذه الإبداعات، تُظهر Ormonde Jayne كيف يمكن للشاي أن يتحول من نفحة منعشة إلى بصمة عطرية راقية ومتعددة الطبقات.

Images: Byredo Instagram
بدورها، تقدم Byredo تفسيراً أكثر عصرية للمكون، بما يتماشى مع نهج الدار البسيط ونظرتها غير التقليدية في صناعة العطور. وفي عطر Mixed Emotions يلعب الشاي دوراً محورياً وهو عطر للجنسين تم إطلاقه عام 2021. صُمم ليعكس حالة عدم اليقين والاضطراب التي سادت تلك الأوقات، حيث جمع بين دفء شاي المتة وشاي سيلان الأسود، مع نفحات داكنة من الكشمش الأسود وأوراق البنفسج. وبدلًا من اعتبار الشاي مجرد نفحة عطرية منعشة، استخدمته Byredo لاستكشاف التباين والمزاج والتعقيد، مما عزز مكانته المتزايدة في عالم العطور المتخصصة المعاصرة.
إذا كانت Amouage تمثل المنطقة، وXerjoff تمثل البذخ الإيطالي، وOrmonde Jayne تمثل الدقة البريطانية، فإن دخول أسماء أخرى إلى مساحة الشاي يعني أن الاتجاه يتجاوز هوية دار واحدة. وما يثير الاهتمام ليس عدد دور العطور التي تستخدم الشاي فحسب، بل اختلاف التركيبات التي يُستعمل فيها. فالشاي يُمكن أن يُكمّل العود، ويُضفي نعومةً على تركيبات الأزهار، ويُعزّز دفء العطور الخشبية، أو يُضفي نضارةً غير متوقعة على تركيبات العطور الفاخرة. هذه المرونة هي برأيي ما تجعله رائجاً في عصرنا الحالي.
ومع ذلك، هذا لا يعني أن الشاي سيحلّ مكان المكونات الكلاسيكية التي ترتبط بالترف مثل العود الذي سيبقى جزءاً أساسياً من سوق العطور الراقية، خصوصاً في منطقتنا. العود يمثل الفخامة التقليدية والقوية، بينما الشاي يمثل اتجاهاً أكثر هدوءاً وحميمية. ولهذا فإن استعمال الشاي في العطور الحديثة يشير إلى أن لغة الرفاهية تتغير نحو المزيد من ترسيخ مفهوم الأناقة الهادئة Quiet Luxury الذي لم يعد يقتصر على الملابس وطريقة تطبيق المكياج واختيار الديكورات المنزلية، بل يمكن أن يعني ذلك أيضاً اختيار رائحة هادئة تقدّم مفهوم الانتعاش على مفهوم الكثافة والقوة. الشاي مناسب جداً لهذا المفهوم لأنه لا يعتمد على الصخب كي يبدو ثميناً. فقيمته الحقيقية تنبع مما يجري خلف الأضواء، بعيداً في حقول زراعة الشاي، مصدره، طريقة استخراجه، جودة المواد الخام، وطول فترة التعتيق ودقة التركيب.