انشغل الجميع مؤخراً بمتابعة خبر استحواذ Chanel على دار Charvet، والذي يحمل أهمية كبيرة بالنسبة لصناعة الموضة بشكل عام. الخبر مهم لأنه يعني الكثير لصناعة الموضة. فـCharvet هي دار باريسية متخصصة في تصميم القمصان، تأسست عام 1838، وعلاقتها بـChanel تعود إلى عقود طويلة، وتحديداً إلى الفترة التي ارتبطت خلالها غابريال شانيل بعلاقة عاطفية من Boy Capel، الذي كان زبوناً دائماً لدار Charvet التي صممت له قمصاناً ألهمت كوكو لتقديم هذه القطعة في أزيائها لاحقاً.
الإعلان عن الاستحواذ الأخير أتى بعد تعاون ماتيو بلازي مع Charvet في تصميم قمصان قطنية واسعة لعرضه الأول مع شانيل ربيع وصيف 2026، حيث طُرّز اسم شانيل على هذه تشكيلة من القمصان الكلاسيكية، فشكلت أحد أوجه التجديد الذي أدخله بلازي إلى الدار.

مقر Charvet في باريس
لكن برأينا، هذا الاستحواذ لا يقتصر على نجاح عرض أزياء واحد، بل يحمل رسالة ذات أهمية بالغة. ففي زمن الذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت التكنولوجيا تتحكم بكل شيء، وحيث أصبح التسوق الإلكتروني يهدد مفهوم التسوق الواقعي، لدينا يتولد لدينا الانطباع بأن Chanel تسعى لحماية الحرف التقليدية والحفاظ عليها من الاندثار. و Charvet من دور الأزياء النادرة التي لا تزال تقاوم منطق التوسع. فهي لا تمتلك متجراً إلكترونياً، وتبيع منتجاتها بشكل أساسي من متجرها في ساحة فاندوم، ولا تزال مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتصميم القمصان حسب الطلب، والأقمشة الراقية، والعلاقات الشخصية مع العملاء، ومفهوم الفخامة المتأّني. لذا، يمكن النظر إى خطوة Chanel الأخيرة على أنها تأكيد منها أن الوقت مازال مبكراً للتخلي عن الحرف اليدوية واستبدالها بآلات لا روح فيها ولا ذوق. فهما تقدمت التكنولوجيا، لن تكون قادرة على استبدال الذوق الإنساني الذي يرتبط بالمشاعر وتجارب الحياة.

قميصان من تنفيذ Charvet في مجموعة شانيل خريف 2026
اهتمام شانيل بالعمل اليدوي لدور لمحترفات الأزياء العريقة ليس جديداً، إذ بدأ منذ سنوات طويلة. ففي عام 1983 انطلق تعاونها مع دار Lesage، المتخصصة بتطريز الكوتور والتُويد، وفي عام 1996 بدأت تعمل مع دار Lemarié، المتخصصة بحرفة الزهور والريش، لتصميم مجموعات Métiers d’art، وانضمت إلى القائمة دار Maison Michelle، المتخصصة في تصميم القبعات عام 1997، فضلاً عن دار Massaro، آخر صانعة أحذية بحسب الطلب المسبق للنساء في العالم، والتي بدأت التعاون مع شانيل في عام 1957 وانضمت إلى الحرف الفنية Métiers d’art في عام 2002. وفي سنة 2021، جمعت Chanel كل حرفييها تحت سقف واحد وأسسّت Le 19M، مركز فيه 700 حرفي، متخصصين ببعض من أدق وأندر التقنيات بالعالم.
من هذا المنظور، يمكن قراءة أحدث استحواذ لشانيل كجزء من تحوّل أوسع نطاقاً بين دور الأزياء الكبرى، حيث لم تعد تُعرّف فقط كعلامات تجارية للأزياء، بل باتت تُصنّف بشكل متزايد كحُماة للتراث الثقافي. كما تشير هذه الخطوة، في رأيي، إلى أن الأصالة لا تزال تلعب دوراً محورياً في تشكيل مستقبل الموضة. في عصر يتسم بتسارع دورات الإنتاج، يبدو الحفاظ على الحرفية الاستثنائية أحد أندر أشكال الفخامة المعاصرة وأكثرها قيمة.