ماذا لو لم يقتصر تاريخ مدينة ما على أحداثها الكبرى فحسب، بل امتدّ ليشمل الصور التي علّمت الناس كيف يرون تلك الأحداث؟
هذا السؤال هو محور عمل ألفريد طرزي “بيان عاشق: التجربة اللبنانية”، وهو الجزء الثاني من مشروع فني طويل الأمد يستكشف تاريخ لبنان الحديث من خلال الصور والأصوات والقصص التي شكّلت الذاكرة الجماعية. عُرض العمل في استوديو طرزي في بيروت، وجمع بين عرضٍ تفاعلي وعرضٍ أول للجزء الثاني من فيلمه المتحرك.

Images: Alfred Tarazi Instagram
يركز هذا الفصل الجديد على الفترة بين عامي 1920 و1958، وهي الفترة التي تحولت فيها بيروت إلى مركزٍ للصحافة والسينما والإذاعة والإعلان والموسيقى والثقافة الشعبية في العالم العربي. يعمل طرزي مع آلاف الصور الأرشيفية المستقاة من هذه العوالم، جامعاً مواد لم تُصنع بالضرورة لتوثيق التاريخ. وهذا تحديداً ما يجعل الأرشيف معبراً للغاية. إذ يمكن اللجوء إلى الصور والملصقات السينمائية أو الإعلانات التجارية التي تخللت تلك الحقبة لنعرف منها حقيقة ما جرى، كما يمكنها أن تعطينا فكرة واضحة عمّا كان يُفترض بالناس آنذاك أن يتطلعوا إليه ويرغبون به ويتذكرونه على المدى الطويل.

Images: Alfred Tarazi Instagram
طوال عقدين من الزمن، أنشأ طرزي أرشيفاً شخصياً من مواد كان من الممكن أن تختفي لولا أنه ادرك قيمتها بالنسبة للذاكرة والثقافية الشعبية. يتنقل عمله بين فن الكولاج، والتصوير الفوتوغرافي، والنحت، والتركيب الفني، والسينما، وغالباً ما يتساءل عن طرق اختيار التاريخ وحفظه. في “بيان عاشق”، يتجاوز ما فعله عملية الجمع بحد ذاتها، ويصبح الأرشيف بحد ذاته الموضوع الأكثر أهمية.

Images: Alfred Tarazi Instagram
فما يبقى نادراً ما يكون وليد الصدفة. تبقى الصور لأن أحدهم احتفظ بها، أو لأن المؤسسات قدّرتها، أو لأن العائلات خزّنتها، أو لأن الفنانين عرفوا أنها مهمة. بينما تختفي صور أخرى لأنها اعتُبرت عادية، أو قابلة أو لا تستحق الحفظ. أما عمل طرزي، فيعيد تلك المواد المُهملة إلى الواجهة، لتصبح مصادر معلومات مفتوحة على الكثير من الاحتمالات في أعين الجيل الجديد الذي يألف محتواها ولا ما ترمز إليه.

Images: Alfred Tarazi Instagram
كما يتحدى مشروع “التجربة اللبنانية” فكرة إمكانية فصل التاريخ السياسي عن الحركة الثقافية. إذ يعمد طرزي إلى وضع الخطابات والبيانات السياسية جنباً إلى جنب مع الأغاني والأفلام والصور الفوتوغرافية والصور الشعبية، ليؤكد أن الثقافة لا تعكس التغيير السياسي فحسب، بل يمكنها أن تُسهم في إنتاجه أيضاً.
وهذا ما يُضفي على المشروع أهميته العميقة. فطرزي لا يعيد بناء بيروت من خلال سجل تاريخي ثابت، بل يتتبع التفاصيل المتراكمة التي شكّلت هوية المدينة وصورتها عن نفسها.
بدأ مشروع “بيان عاشق” بمحاولة استرجاع أسلوب الحياة في بيروت من ستينيات القرن التاسع عشر إلى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. يُواصل الجزء الثاني هذه الرحلة، لكن يبقى السؤال الأهم مطروحاً: إذا كانت صور المدينة تُساعد في بناء ذاكرتها، فمّن يملك الحق في تحديد أي الصور تستحق أن تبقى وأن تعبّر عنها؟