أطلقت Van Cleef & Arpels على آخر مجموعاتها للمجوهرات الراقية اسم “مصر الرائعة” Fascinating Egypt. يبدو العنوان واضحاً ومباشراً، ولكن القصة الكامنة وراءه هي التي تبدو أكثر تعقيداً. تتألف المجموعة من 180 قطعة، وقد استغرق تطويرها خمس سنوات، وتُعدّ واحدة من أوسع التشكيلات التي استوحتها الدار من مصر القديمة. والأهم من ذلك، أنها تشكّل امتداداً لعلاقة بدأت منذ قرن تقريباً. لكن في الوقت الذي يتوقع فيه الجميع مجوهرات ذات طابع فينتج تاريخي، صُنعت التصاميم الجديدة بلمسات عصرية، فيها إشارات واضحة إلى مصر الفرعونية، ولكن من دون أن الوقوع في فخ تكرار الماضي بصورته المعتادة.

Image: Courtesy of Van Cleef & Arpels
اختيار مصر، ليس مفاجِئاً بالطبع. فعدد قليل فقط من الحضارات استطاعات أن تترك أثرها الواضح في عوالم الفن والتصميم والثقافة الشعبية، كما فعلت الحضارة المصرية حتى يومنا هذا. فرغم أننا نعرف الكثير عن حكامها وطقوسها ورموزها، لا تزال لدينا العديد من الأسئلة الجوهرية بلا إجابات شافية. فالأهرامات ومقبرة كليوباترا ورفات نفرتيتي ما زالت تثير الكثير من التكهنات لدى الشغوفين بالتاريخ، وهذا التوازن بين ما هو معروف وما هو غامض جعل من مصر مصدراً استثنائياً للإلهام.
المجوهرات أيضاً لعبت دوراً أساسياً في تلك الحضارة، ولم تكن تُستعمل فقط من أجل الزينة، بل كانت تعكس المكانة الاجتماعية، وكان يُعتقد أنها توفر الحماية لمرتديها، كما ارتبطت في الوقت نفسه ببعض المعاني الدينية. فالجعارين وزهور اللوتس والصقور وغيرها من الرموز، استُعملت للإشارة إلى الحياة والموت والتجدد، وهذا المزيج بين المادة والرمز، هو أحد الأسباب الذي جعل من مصدر القديمة، عنصراً حاضراً بقوة في عالم المجوهرات الراقية اليوم.

Images: Van Cleef & Arpels Instagram
لكنّ الافتتان الحالي بمصر لم يتأثر بالثقافة القديمة فقط، بل وجد جذوره أيضاً في التاريخ الحديث مع حملة نابوليون بونابارت بين أعوام 1798 و1801 وبروز علم جديد على أيدي العلماء الفرنسيين الذين رافقوه أطلق عليه “علم المصريات”، قام بتحويل مصر وتاريخها وحضارتها، إلى موضوع دراسة منهجية وتخصص قائم بذاته.
وسرعان ما أصبحت باريس مركز هذا الافتتان بمصر، وكانت Van Cleef & Arpels جزءاً من هذه الحركة. فبعد اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون عام 1922، قدمت الدار قطعاً بنقوش مصرية عامي 1923 و1924، مستوحاة من زهور اللوتس وأبو الهول ومشاهد مستوحاة من مصر القديمة.
بعد ذلك، اتخذت علاقتها بمصر طابعاً شخصياً أكثر، عندما أصبح أعضاء من الأسرة الملكية من زبائن الدار ما بين ثلاثينيات وأريعينيات القرن الماضي، بمن فيهم الملكة نازلي والأميرة فايزة. وقد صممت الدار لزفاف الأميرة فوزية من رضا بهلوي الذي أصبح فيما بعد شاه إيران، طقماً فاخراً تكون من تاج وعقد وأقراط. وبعد ذلك بأعوام، صممت لها أيضاً مشبكاً على شكل خنفساء من الفيروز، وقلادة أوزيريس من ثمانينيات القرن العشرين.
ولذلك لا يمكن القول إن الافتتان بمصر القديمة هو شيء جديد بالنسبة لـVan Cleef & Aapels، بل يشكّل امتداداً لأسلوب في التصميم بدأ منذ عقود طويلة، وما يجعل آخر مجموعاتها مثيرة للاهتمام، هي الطريقة التي اعتمدتها الدار للتعبير من جديد عن ذلك التاريخ.

Images: Courtesy of Van Cleef & Arpels
وبدلاً من تقديم مجوهرات تحضر فيها مصر بصورها المألوفة لدينا، قررت الدار أن تصمم مجوهرات تلقي الضوء على مسألة “الانبهار بمصر القديمة”. وبحسب كاثرين رينييه، المديرة التنفيذية للدار، فقد أرادت Van Cleef & Arpels أن تبتعد عن الترجمة النمطية لصورة مصر في المجوهرات، والتركيز بدلاً من ذلك على ألوانها، الميتولوجيا المرتبطة بها، والأثر الكبير الذي تركته في عالم الفن.

Image: Courtesy of Van Cleef & Arpels
وهنا تكمن أهمية المجموعة. فالمراجع التي تستند إليها تتجاوز علم الآثار لتشمل فن الآرت ديكو، وفن البوب، ورسومات الكتب المصورة، والأهم من ذلك كله، حركة ممفيس، وهي حركة تصميم من ميلانو أسسها إيتوري سوتساس عام 1981. وقد استمدت ممفيس اسمها من مدينة مصرية قديمة، مما خلق صلة واضحة بين المراجع الحديثة للمجموعة وموضوعها التاريخي.
يعزز هذا النهج، تقنية Mystery Set التي حصلت Van Cleef & Arpels على براءة اختراع عنها في العام 1933، التي تسمح بإخفاء المعدن تحت الأحجار المرصعة بإحكام، مما يتيح الحصول على مساحات متصلة وممتدة. وقد استُعملت هذه التقنية في مجموعة Fascinating Egypt ، حيث تشير درجات الأزرق والأخضر والأحمر والأصفر، إلى الرموز المصرية، بينما تضفي على المجوهرات طابعاً عصرياً مميزاً.

Image 1:Courtesy of Van Cleef & Arpels, Image2: Van Cleef & Arpels Instagram
ويُعتبر مشبك Bénou Mystérieux الذي يجسد الطائر الشمسي المقدس من ابرز قطع المجموعة، ويتألق بترصيعات الزمرد والفيروز واللازرودي وألماسة مركزية بوزن 2.63 قيراط بقصة الكمثرى. كما يقدم مشبك Pharaon sacré أيضاً مزيجاً متناغماً من الذهب الوردي والأصفر والأبيض، في حين تظهر التشطيبات المطرّقة والمصقولة كالمرآة مشكلة ما يشبه الدرع المرصع بالياقوت والألماس.

Images: Courtesy of Van Cleef & Arpels
تضم المجموعة أيضاً ثلاثة أساور مرنة عريضة تستوحي تفاصيلها من العناصر المعمارية القديمة. ومن بينها سوار Paysage secret المرصع بأحجار الزمرد والياقوت والإسبيسارتين المقطوعة يدوياً، مع زخارف ذهبية مفرغة تتصدرها عبارة “أفق الأبدية” بالهيروغليفية بأسلوب فني معاصر.

Image: Courtesy of Van Cleef & Arpels
أما الخواتم، فتشكّل عالماً قائماً بذاته وتشمل Origine de l’eau وOrigine florale وOrigine du soleil، التي تتميز بطابع هندسي لافت، ويتمركز داخل كل تصميم حجر مركزي كبير الحجم بقصة الوسادة، ونقوش مستوحاة من رمز الشمس، وهو عنصر بصري يتكرر في مختلف أنحاء المجموعة.
هكذا، حوّلت الدار مصدر إلهام مألوفاً إلى رؤية معاصرة للحضارة القديمة، وطرحت مقاربة جديدة حول التصميم والثقافة والذاكرة.