لطالما عكست الموضة المجتمعات التي تنبثق منها. وفي أكثر لحظاتها تأثيراً، لا تكتفي برصد ملامح زمن معيّن، بل تلتقط أيضاً المشاعر والحقائق الإنسانية التي تشكّله. بالنسبة إلى Azzi & Osta، تُعدّ الموضة لغة تُترجم من خلالها التجارب الفردية والجماعية إلى أشكال ملموسة. ومن خلال مجموعتهما لموسم ريزورت 2027، التي تحمل عنوان 16.0، يستجيب المصممان لواقع لبنان العالق في حالة طويلة من عدم اليقين، واقع يتأرجح بين الحرب والسلم، ويشهد على التهجير والخسارة، كما يكشف عن قدرة مستمرة على الصمود. وبدلاً من الابتعاد عن هذا الواقع، يسمحان له بأن يشكّل المشهد العاطفي للمجموعة.

Courtesy of Azzi&Osta
ما قدّماه هذه المرة مجموعة توحي بالكمال والاضطراب في الوقت نفسه. الدقة تتجاور مع الاضطراب، والأناقة مع الهشاشة. تبدو بعض التصاميم متناسقة تماماً، بينما تستحضر أخرى الطبيعة الفطرية للارتداء في لحظات عدم اليقين، حيث تُرتّب الملابس بشكل حدسي لا وفقاً للقواعد. في جميع أنحاء المجموعة، يصبح هذا التوتر مرئياً في الشكل. تُوضع الخياطة المعمارية في حوار مع تصاميم تبدو غير مكتملة تقريباً، كما لو كانت معلقة في اللحظة التي تسبق التحول.

Courtesy of Azzi&Osta
هذه مجموعة وُلدت في خضم ظروف مضطربة، لذلك لا نجد فيها تصاميم تسعى إلى إخفاء التوتر، بل تتقبّله وتحاول أن تعيد تشكيله داخل كل قطعة. يظهر ذلك بوضوح في البنية والقصات ذات الطابع المعماري، حيث تبدو الفساتين وكأنها منحوتات، وتظهر الكورسيه بأحجام غير متوقعة، فيما تفاجِئنا فتحات لا تبدو في أماكنها الصحيحة، لتكسر من استمرارية التصميم وتوحي كما لو أن أمراً طرأ ولم يتمكن فريق العمل من استكمال الخياطة. نذكر هنا على سبيل المثال لوكاً مكوناً من كروب توب دانتيل مع تنورة “بالون” تعلو تنورة أخرى بقصة الـPencil، وفستان أحمر جزؤه العلوي مستوحى من الكورسيه، إلا أن تنورته تأتي منفصلة تماماً وذات خصر منخفض بحيث تترك جزءاً كبيراً من الخصر مكشوفاً. هذه التفاصيل توحي كما لو أن المصممان يحاولان جعلنا نفكّر ملياً بما يدور في كواليس التصميم بدل الاكتفاء بمشاهدة النتيجة النهائية بعين المتلقي السلبي الذي يستقبل كل شيء من دون أن يتفحصّه أو يطرح الأسئلة حوله.

Courtesy of Azzi&Osta
هذه المقاربة تكشف جانباً مهماً من فلسفة الدار التي تُعتبر جزءاً من جيل العلامات اللبنانية التي تسعى للحفاظ على التراث، ودعم المجتمعات المحلية والحرف اليدوية، من خلال تقديم منتجات لبنانية أصيلة إلى جمهور عالمي. إلا أن الحرفة هنا لا تظهر في التطريز والزخراف الكثيفة، بل في القدرة على التحكّم بالشكل، وإعادة تشكيل القماش ليصبح عنصراً معمارياً يجسّد فكرة إنسانية وجودية.

Courtesy of Azzi&Osta
تتداخل درجات اللون الفوشيا والقرمزي النابضة بالحياة مع الأسود والألوان المحايدة الناعمة والذهبي الباهت، مما يعكس التناقضات التي لا تزال تحدد لبنان المعاصر، حيث تتعايش لحظات الاحتفال مع الحزن والصمود والنزوح.
ثم قررا ردّ الاعتبار لمجتمعهما من خلال التركيز على الخامات التي تحتفي بالعمل اليدوي والحرف التقليدية. وبدلاً من أن يعبّرا عن التراث من خلال الزخارف والتطريزات، ركزّا على تطبيق جوهره الحقيقي: الإتقان، والصبر، والقدرة على تحويل المادة الخام إلى عمل يحمل قيمة إنسانية وفنية. إنها قراءة معاصرة للحرفة، ترى أن الحفاظ على التراث لا يعني تكرار مفرداته، بل تطويرها ومنحها حياة جديدة تناسب الحاضر.
أخيراً، نجح مصمما Azzi & Osta في تحويل الموضة إلى أداة للتعبير عن موقف، من دون كلمات، ولا ضجيج. بل من خلال ملابس مصقولة وأخرى مستوحاة من الواقع.