“دوننا” ليست مجرد أغنية راب… بل صرخة جيل كامل
الراب ليس فقط موسيقى الشارع، هو نبضه وصوته الذي يكاد يضيع في الضوضاء من دون أن يجد مَن يصغي إليه. اليوم تغيّر العالم. السوشيل ميديا هي التي غيّرته عندما منحت مَن لا صوت له، منصة ليعبّر عن نفسه ويفرض وجوده على العالم.
في مكان ما بين العالم المنهك بالحروب والصراعات والأزمات، استطاع جيل عربي جديد أن يكوّن مجتمعاً خاصاً به على السوشيل ميديا، وأن يجتمع على أفكار متشابهة أحياناً إلى حد التطابق. هذا الجيل وجد في الراب المجتمع الذي يُشعرِه بالانتماء. إنه جيل متمرّد، رافض للقيود، ولا يفهم لغة “الآباء”، بل يرى العالم بعيون مختلفة. من هنا نشأت موسيقى الراب العربية، لتكون لسان حال هذا الجيل وطريقته للتعبير عن أفكاره وهواجسه. وخير مثال على ذلك هي الفنانة صبا وأغنيتها “دوننا” التي اجتاحت تيك توك وتصدرت قائمة الأغاني الشبابية. لكن لماذا صبا بالتحديد وما الذي يميز أغنيتها؟
باختصار، لقد نطقت صبا، بما يدور في خُلد كل الشباب العربي تقريباً. من خلال الراب، عبّرت عن مشاعرهم، عن غضبهم، ورفضهم للواقع الذي نعاني منه اليوم. تخطت صبا في أغنيتها كل المحاذير وقالت بكلمات بسيطة، ما عجزنا عن التعبير عنه علانية. عبّرت عن رفضها للظلم والقمع والعنف الذي تعاني منه اليوم العديد من الشعوب العربية اليوم، فغنّت: “استأصلوا جذورنا وهدّموا بيوتنا وجرّموا وجودنا وزيّفوا أصولنا وفرّقوا أحبابنا وذبّحوا أطفالنا واسترخصوا دماءنا وشيطنوا ثوّارنا فمَن تكونوا دون وجودنا… استعمروا بلادنا وعيّنوا حكّامنا وانهبوا خيراتنا واحرقوا آثارنا… شاهدوا عذابنا واستصغروا أوجاعنا.. فمن تكونوا من دوننا ولن تكونوا دوننا”…

Sibasmusic@
هذه الكلمات جعلت الأغنية تنتشر كالنار في الهشيم في تيك توك وعلى إنستغرام أيضاً. لكن كيف استطاعت شابة في مقتبل العمر ومن دون خبرة سابقة بعالم الموسيقى، من تحقيق هذا الإنجاز؟
الجواب بسيط: صبا عاشت التجربة بنفسها. تجربة الحرب واللجوء. فهي شابة سورية اضطرَت لترك بلدها والانتقال إلى ألمانيا حيث الحياة لم تكن وردية، بل مليئة بالتحديات.. والتمييز.
في مقابلة لها تقول صبا: “أغنيتي تعبّر عن غضب الشباب العربي من الظلم.. لم أكن أتوقع أن تلقى هذا النجاح منذ لحظة طرحها.. يبدو أنها مسّت شيئاً عميقاً في قلوب الشباب”.. تحدثت صبا أيضاً عن الهجوم الذي تعرضت له من قِبل المعادين للعرب، وقالت: “ربما هذا هو الهدف في النهاية، أن تصل الأغنية إلى الذين سكيرهونها لأنها تمسّ عقيدتهم وأفكارهم”..
وتحدثت صبا قليلاً عن طفولتها موضحةً أنها بدأت بتعلّم العزف على الغيتار في عمر الـ13، وكتبت أول قصيدة لها في الـ16 من العمر، مشيرةً إلى أن أغنية “دوننا” عبارة عن تراكمات عايشتها على مدى السنوات الأخيرة..

Sibasmusic@
أخيراً، يبقى أن نشير إلى أن “دوننا” ليست فقط أغنية راب غاضبة، بل كسرت احتكار الأغنية العاطفية لمشاعرنا. لسنوات طويلة، حاولت الموسيقى العربية أن تختزل الإنسان في قصة حب، وكأن أكبر مآسينا هي الفراق أو الخيانة أو الحنين. لكن ماذا عن الخوف؟ عن الغربة؟ عن الإحساس بأننا غرباء حتى داخل لغتنا وملامحنا؟ ماذا عن جيل نشأ على أخبار الحروب أكثر مما نشأ على الأغاني؟