A7 Magazine

    • الكحل: حضور يتجاوز الزمن

      الكحل: حضور يتجاوز الزمن

      • 27 September 2026
      • بقلم Dyana Farhat
        المقال مكتوب باللغة العربية
    • بعد سنوات من هيمنة المكياج الناعم والخطوط الدقيقة، يعود الكحل إلى المشهد من باب مختلف، حاملاً معه تاريخاً ثقافياً طويلاً، لكن بروح تناسب مفهوم الجمال الحديث.

  • الكحل: حضور يتجاوز الزمن

    Image: Pinterest

 

 

رغم أنه لم يختفِ كلياً عن صناعة الجمال، أقلّه في العالم العربي، يعيش الكحل لحظة مهمة، إذ يبدو أنه يستعدّ لعودة كبيرة، تجعله مجدداً من أبرز صيحات الجمال على المستوى العالمي.

 

 

 

Image1: Partick McDowell, Image2: Area, TheImpression.com

 

 

 

 

هذا ما أظهرته العديد من عروض الموضة لربيع وصيف 2027 من نيويورك إلى لندن. فمقابل صيحة No Makup Makeup، اختارت العديد من علامات الأزياء منح عارضاتها لوكاً درامياً جذاباً مستعينةً بالكحل الذي وُضع داخل العينين وأحياناً حولهما أيضاً، بما في ذلك الجفن الداخلي وخط الرموش السفلي. في عرض Grace Ling و Patrick Mcdowell، كان التأثير داكناً وقوياً وجذاباً للغاية. أما مع عرض Area، فقد اتخذت الفكرة منحىً أكثر قوة وجرأة. فإلى جانب الكحل الأسود الذي استُعمل لتحديد العينين من الداخل، استعان خبراء التجميا أيضاً باللون الفضي لتحديد العينين من الداخل، فأضفى اللونان معناً لمسة مضاعفة من الدراما على اللوك. بينما قدمت Tibi نسخة أكثر نعومة حيث استعملت الكحل داخل العينين والقليل من الآيشادو الترابي للمنطقة المحيطة بالعينين، مما زاد من جاذبية اللوك ومنح العارضات مظهراً أكثر رومانسية. وفي مختلف هذه العروض، بدت الإطلالات أقرب إلى الكحل التقليدي منها إلى محدد العيون السائل الحاد الذي هيمن على صيحات الجمال في السنوات الأخيرة.

 

 

 

Image1: Tibi, Image2: 7For All Mankind, TheImpression.com

 

 

 

 

وهذا التحول مهم. فالكحل ليس مجرد مرادف لكلمة “محدد العيون” أو الآيلاينر. فالأخير عبارة عن منتج تجميلي مصمم أساساً لتحديد الجفن العلوي من العين فقط، إذ لا يمكن وضعه داخل العينين. أما الكحل التقليدي فله تاريخ أطول بكثير. فقد كان يُصنع ويُوضع ويُتوارث في المجتمعات، غالباً كجزء من روتين الجمال اليومي والطقوس والحياة الأسرية. وفي العالم العربي، كان استخدامه راسخاً بشكل خاص، حيث نشأت أجيال من النساء وهن يشاهدن أمهاتهن وجداتهن يضعنه، غالباً داخل العين مباشرة.

 

الكحل العربي له يُعده الثقافي. فقد أدرجته اليونيسكو على قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية عام 2025. وقدّمت طلب الإدراج بشكل جماعي كلٌ من العراق والأردن وليبيا وعُمان وفلسطين والمملكة العربية السعودية وسوريا وتونس والإمارات العربية المتحدة. وتصف اليونيسكو الكحل العربي بأنه حرفة وممارسة اجتماعية في آنٍ واحد، مشيرةً إلى مكانته في الحياة اليومية والمناسبات الخاصة والطقوس الدينية. وقد توارثت الأجيال، ولا سيما النساء، معرفة تحضيره واستخدامه.

 

 

 

Image1: Moonglaze Instagram, Image2: Armani Beauty Instagram

 

 

 

 

بالنسبة للمرأة العربية، لم يكن الكحل يوماً مجرد صيحة موسمية، بل ممارسة راسخة ووسيلة لإبراز جمال العينين، وفي بعض المجتمعات جزءاً من الهوية الثقافية. كما ارتبطت العينان تاريخياً بمفهوم التعبير عن المشاعر وما تخفيه النفس، ما منح الكحل معنى يتجاوز وظيفته الجمالية. الكثير من المجتمعات العربية تعتبر العينين مرآة الروح، أي أنها تكشف ما يدور في داخنلنا وما نحاول إخفاؤه من مشاعر وأحاسيس.

 

 

 

Image1: Giorgio Armani Instagram, Image2: Roberto Cavalli

 

لذا، عندما تعيد عروض أسابيع الموضة إحياء هذه التقنية، فهي تسلط الضوء من جديد على ممارسة تحمل قروناً من الذاكرة الثقافية، وتضعها اليوم في سياق مختلف: سياق صيحات الجمال واتجاهاته. لطالما استعارت الموضة الأفكار وقدمتها بنسخ جديدة وساهمت في تناقلها بين الثقافات المختلفة. ومع ذلك من المهم أن نفهم ما نراه اليوم. الخط الأسود داخل العين ليس جديداً، ولا الفكرة الكامنة وراءه. الجديد هو السياق.

 

فبعد سنوات من المكياج الخفيف، والخطوط الواضحة، والبشرة المثالية، يبدو أن الجمال متعطّش لشيء أكثر تميزاً وتجذّراً. الكحل يبدو الإجابة الطبيعية لهذه الرغبة، إذ يمكن أن يبدو جذاباً دون أن يكون مصقولاً تماماً، وغير مثالي دون أن يبدو ناقصاً في الوقت نفسه. يحمل الكحل تاريخاً، ولكنه أيضاً يتناغم بشكل رائع مع روح العصر.

 

ربما هذا هو السبب الحقيقي وراء عودته اليوم إلى الواجهة. فالموضة لم تسعَ إلى إحيائه من جديد، بل هي فقط تنظر إليه من منظور مختلف.