البندقية بعيون جديدة: أماكن خفية تستحق الزيارة خلال البينالي
مع انطلاق معرض بينالي البندقية في التاسع من مايو واستمراره حتى نوفمبر، تتحوّل المدينة العائمة الأجمل في العالم، إلى مسرح عالمي للفن المعاصر. لكن خلف أروقة المعارض والازدحام حول الأجنحة الرسمية، هناك مدينة أخرى تعمل بهدوء: البندقية التي لا يتم تسليط الضوء عليها في البطاقات البريدية، بل تُكتشف خطوة خطوة، عبر أزقة ضيقة، وجزر صغيرة، وتجارب حميمة تُعيد تعريف فكرة السفر نفسه.
فيما يلي، مجموعة من الأماكن والتجارب التي ننصحكم بزيارتها واختبارها، والتي ربما لا يعرفها إلا السكان الدائمين للمدينة!
جزيرة بورانو
بعيداً عن قلب البندقية السياحي، تظهر جزيرة بورانو Burano كأنها مشهد خرج من لوحة مائية. الوصول إليها يستغرق نحو 45 دقيقة عبر القارب المائي، لكن الانتقال هنا ليس مجرد مسافة، بل تبدّل كامل في الإيقاع.
المنازل الملوّنة بألوان زاهية ليست مجرد خلفية جمالية، بل تعبير عن تاريخ طويل من ارتباط السكان بالبحر والضباب والضوء المتغير. في شوارعها الضيقة، تتقاطع حياة الصيادين مع تفاصيل الحرف التقليدية، خصوصًا صناعة الدانتيل التي ما زالت تُمارس في ورش صغيرة، حيث تنتقل المهارة من جيل إلى آخر بصبر شديد ودقة لافتة.
في بورانو، التجول لا يحتاج إلى خطة. يكفي السير ببطء بين القنوات الصغيرة، التوقف عند مقهى مطل على الماء، أو مراقبة الغسيل المعلّق بين النوافذ كجزء من المشهد البصري اليومي. حتى البرج المائل قرب كنيسة سان مارتينو، بميوله غير المقصود، يضيف طبقة من العفوية إلى الجزيرة، كأنه يذكّر بأن الكمال ليس شرط للجمال.
مع حلول البينالي، تصبح بورانو مساحة مثالية للهروب من كثافة المدينة، حيث يمكن للفن أن يُفهم من خلال الضوء، اللون، والحياة البسيطة بدل القاعات المغلقة.
حديقة “جنة عدن”
على جزيرة جيوديكا Giudecca الهادئة، بعيدًا عن مركز البندقية الأكثر ازدحامًا، تظهر مساحة مختلفة تماماً عن الصورة المعتادة للمدينة. إنها حديقة تحمل اسماً لافتاً: The Garden of Eden، أو “جنة عدن”، وهو اسم يعود إلى مالكها الأول اللورد فريدريك إيدن، الذي حوّل هذا الركن الخفي إلى مساحة خاصة تنبض بالسكينة والانسجام مع الطبيعة.
غم طابعها الشاعري، فهي ليست مجرد حديقة، بل واحدة من أكبر الحدائق الخاصة في المدينة وأكثرها غموضاً، محاطة بتاريخ طويل من الملكية، الفن، والانعزال المقصود عن العالم.
تعود بداياتها إلى عام 1884، حين اشترى البريطاني فريدريك إيدن الموقع، وهو قريب من عائلة سياسية بارزة في التاريخ البريطاني. في ذلك الوقت، لم تكن المساحة سوى مزرعة خرشوف تابعة لدير قديم، لكن إيدن وزوجته كارولين، شقيقة مصممة الحدائق الشهيرة غيرترود جيكل، حوّلا المكان إلى رؤية مختلفة تماماً: حديقة على الطراز الإنكليزي وسط البنية المائية لفينيسيا.
تم زرع أشجار الصنوبر والسرو، وأشجار الليمون، والدفلى، إلى جانب تعريشات ورود واسعة، لتتحول المساحة إلى واحة خضراء تمتد على نحو ست أفدنة. هذا التحول خلق تناقضاً بصرياً لافتاً مع الطابع الصناعي الذي كان يحيط بالجزيرة في تلك الفترة، وكأن الطبيعة أعادت إعادة صياغة المكان وفق منطقها الخاص. ومع بداية القرن العشرين، أصبحت الحديقة نقطة جذب للنخبة الثقافية الأوروبية. مرّ من هنا أسماء أدبية وفكرية بارزة مثل راينر ماريا ريلكه، مارسيل بروست، وهنري جيمس، الذي كتب عنها في أعماله، ما منحها حضوراً أدبياً إضافياً جعلها تتجاوز حدود الجغرافيا إلى فضاء الخيال الثقافي.
لاحقاً، انتقلت الملكية إلى الأميرة أسبيسيا من اليونان والدنمارك عام 1927، لتدخل الحديقة مرحلة جديدة من الطابع الأرستقراطي الهادئ. لكن التحوّل الأبرز جاء في أواخر القرن العشرين، عندما اشتراها الفنان والمهندس النمساوي فريدنسرخ هوندرتفاسر بين 1979 و2000، المعروف برؤيته البيئية غير التقليدية. انسجاماً مع فلسفته، ترك الحديقة تتطور بشكل طبيعي دون تدخل صارم، لتبدأ في استعادة شكلها البري تدريجياً.
اليوم، تُدار الحديقة من قِبل مؤسسة هوندرتفاسر في فيينا، لكنها تبقى مغلقة أمام الجمهور، ما يعزز هالتها الأسطورية. هي مساحة موجودة لكنها غير متاحة، مرئية عبر الحكايات أكثر مما هي عبر التجربة المباشرة، وكأنها تذكير بأن البندقية لا تكشف كل أسرارها بسهولة، بل تحتفظ ببعضها كجزء من هويتها الخفية.
مكتبة أكوا ألتا
في قلب البندقية، تختبئ مكتبة Acqua Alta تبدو وكأنها خرجت من خيال كاتب أكثر منها مساحة بيع كتب. هنا، لا تُرتب الكتب وفق قواعد تقليدية، بل تُكدّس داخل قوارب قديمة، وأحواض استحمام، وصناديق مقاومة للماء.
الفكرة ليست مجرد حل عملي لمشكلة الفيضانات المتكررة، بل تحويل المشكلة إلى هوية جمالية. حتى السلالم المؤدية إلى الخارج مصنوعة من كتب تالفة، في مشهد يختصر العلاقة بين المعرفة والزمن والماء. داخل المكتبة، تتتداخل الروائح: الورق القديم، الرطوبة، والبحر القريب. القطط تتحرك بين الرفوف، والزوار يضيعون بين الخرائط القديمة والروايات والسرديات البحرية.
في ساحة صغيرة خلفية، يمكن الصعود إلى منصة مرتفعة من الكتب، حيث يظهر أحد أجمل المشاهد غير المتوقعة للقنوات. هنا، يصبح المكان تجربة بصرية وفكرية في آن واحد، وكأنه تركيب فني دائم لا يحتاج إلى تذاكر دخول.
حفلات الموسيقى
بعيداً عن صخب المعارض، تبرز البندقية كمدينة موسيقى بامتياز. في كنائسها القديمة، تُقام حفلات موسيقية تعيد إحياء أعمال فيفالدي في المكان نفسه الذي وُلدت فيه هذه الموسيقى.
داخل كنيسة سان فيدال، تتقاطع الأصوات مع الضوء الذهبي المتسلل من النوافذ العالية. لا يحتاج المشهد إلى ديكور إضافي، فالمكان نفسه يحمل كل عناصر التجربة: التاريخ، الصدى، والسكينة. سماع “الفصول الأربع” في هذا السياق لا يبدو كعرض موسيقي تقليدي، بل كإعادة قراءة للمدينة عبر الصوت. كل مقطوعة تتحول إلى مشهد داخلي، وكل نغمة تبدو كأنها جزء من نسيج البندقية نفسها.