تبقى الحرفة حيّة لأن الناس يواصلون ممارستها. يغيّرون لونًا ليناسب شخصًا جديدًا، أو يعدّلون شكل قطعة لتلائم غرفة مختلفة، أو يجدون استخدامًا آخر لمادة مألوفة. الحفاظ على الحِرف مهم، لكن التقنية التي لا مكان لها إلا خلف زجاج العرض تفقد شيئًا أساسيًا: إمكانية استخدامها من جديد.
تجعل الأدوات الرقمية فكرة الحفاظ على الحِرف أكثر تعقيدًا. فقد يساعد تصميم قابل للتعديل شخصًا على بدء التطريز. وتتيح النمذجة الرقمية اختبار شكل القطعة قبل أن يلمس الحرفي مادتها. أما الطابعة ثلاثية الأبعاد، فتسمح بتجربة ما يحدث حين تكون المادة نفسها مصمَّمة للتغيّر. والسؤال الأجدر بالطرح هو: من يستطيع استخدام هذه الأدوات وتعديلها، ومن يقرر ما الذي سيأتي بعد ذلك؟
التطريز الفلسطيني خارج حدود الأرشيف

Images: Tirazain
يحمل التطريز الفلسطيني، تاريخًا في زخارفه وألوانه وغرزاته. وقد أتاحت طرازين، وهي مكتبة رقمية تعاونية، البحث في أكثر من ألف زخرفة بالعربية والإنجليزية. وإلى جانب الصور، توفر مخططات وملفات تصميم قابلة للتعديل، كما تتوفر بعض الزخارف بصيغ مناسبة للتطريز الآلي. ويمكن للمستخدمين البحث بحسب الموضوع والمنشأ، وحتى الوقت المتوقع لإنجاز مشروع ما.
يكشف هذا التفصيل الأخير شيئًا عن هدف طرازين. فالمنصة تسجّل الزخارف، لكنها تمنح الناس أيضًا نقطة يبدأون منها العمل. يمكن للمبتدئ العثور على تصميم ينفذه، وللمعلّم مشاركته مع أحد طلابه، وللحرفي المتمرّس تكييف زخرفة لاستخدامها في وسيط آخر. وتقترح المنصة نفسها إمكانيات تمتد من الملابس والمجوهرات إلى الرسم والطباعة ثلاثية الأبعاد.
لا يستطيع ملف قابل للتنزيل أن يعلّم اليد الإحساس بالغُرزة، أو أن يحل محل المعرفة التي تتناقلها المطرّزات. لكنه يستطيع إيصال تصميم إلى شخص تفصله المسافة عن معلّمة أو عن ثوب موروث يتعلّم منه.
وما يثير الاهتمام في طرازين هو أن دور الأرشيف لا ينتهي عند الحفظ. فالمنصة تمنح مستخدميها وسائل لصنع أعمال جديدة انطلاقًا مما تحفظه، فيما تُبقي المراجع ونِسبة الزخارف إلى مصادرها الصلةَ واضحةً بأصول تلك التصاميم.
نظرة جديدة إلى الواحة

Images: Madrasat Addeera
في السعودية، تجمع إصدارات مدرسة الديرة مصممين وصنّاعًا حول طبيعة العُلا وتقاليدها الحرفية. وتجاور أعمال الخوص والتطريز والطين والمنسوجات تجاربَ تستخدم مواد وطرق إنتاج أحدث.
من بينها “الواديّة: الأواني الحيّة” من تصميم TECHNOcrafts . تضم المجموعة أواني مصنوعة من السليلوز الطبيعي بالطباعة ثلاثية الأبعاد، إلى جانب كتان مصبوغ بأصباغ طبيعية ومواد قابلة للتحلل مستمدة من فواكه المنطقة وأعشابها.
تستحضر الأواني واحة العُلا ونباتاتها، لكن مادتها صُممت لتتغير بدلًا من أن تبقى محتفظة بشكلها الأول. وهذا ما يجعلها مثيرة للاهتمام بعيدًا عن حداثة الطباعة ثلاثية الأبعاد في حد ذاتها. فبدلًا من تكليف آلة بإعادة إنتاج قطعة يدوية قديمة، تتساءل الواديّة عمّا يمكن أن يُصنع منه غرض معاصر متصل بمشهد طبيعي بعينه، وعمّا قد يحدث له مع مرور الوقت.
هنا لا بد من التمييز بين الأدوار. تنسب البيانات المنشورة تصميم المشروع إلى TECHNOcrafts وإنتاجه إلى Noumena وميكاييلا كلوبورغ؛ ولا تصف الأواني المطبوعة بأنها من صنع حرفيين محليين.
تكمن الصلة الأهم في أن مدرسة الديرة تضع هذا النوع من التجريب المادي إلى جوار مشروعات تُعنى مباشرة بحِرف لا تزال تُمارَس. يمكن لهذه الأعمال أن تكون جزءًا من الحوار نفسه، من دون الادعاء بأنها تؤدي الدور ذاته.
حين يلتقي الحاسوب بالنجّار

Images: andblack
تبدو العلاقة بين الأدوات الرقمية والصنع المادي أكثر مباشرة لدى استوديو التصميم الهندي andblack. تبدأ سلسلة أثاثه LOOP بالنمذجة الرقمية. تُرصّ طبقات من خشب البتولا الرقائقي، ثم تُقطع باستخدام آلات يتحكم فيها الحاسوب لتشكيل منحنيات متصلة، قبل تشطيب القطع يدويًا. وقد قُدمت المجموعة للجمهور الدولي خلال أسبوع ميلانو للتصميم عام 2025.
تساعد النمذجة الرقمية الاستوديو على دراسة الأشكال المعقدة قبل تنفيذها في المادة، فيما تحوّل الآلات الدقيقة تلك الحسابات إلى هيئة ملموسة. لكن الحاسوب لا يستطيع اتخاذ كل القرارات.
تظل عروق الخشب ظاهرة عبر المنحنيات، وتحتاج الأسطح إلى التشطيب. والأهم أن الكرسي أو المقعد يجب أن يكون مريحًا للجسد، لا أن يبدو مقنعًا على الشاشة فحسب. الحكم النهائي هنا يظل مرتبطًا بالتجربة المادية.
تقترح LOOP دورًا مفيدًا للتكنولوجيا: أن توسّع نطاق الأشكال التي يستطيع الصانع تجربتها، مع بقاء مهارته حاسمة في إنجاز القطعة.
تقدّم المكتبة الرقمية، والوعاء المطبوع ثلاثي الأبعاد، والكرسي المقطوع بمساعدة الحاسوب تصورات مختلفة تمامًا للعلاقة بين الحرفة والتقاليد. ولا توجد وصفة واحدة تحدد ما ينبغي للتكنولوجيا حفظه أو تغييره.
ربما يكون السؤال الأكثر فائدة هو ما إذا كانت هذه الأدوات تمنح الناس حرية أكبر في التعلّم والتعديل والصنع، مع إبقاء المعرفة الكامنة وراء كل قطعة مرتبطة بأصحابها.
لا تحتاج الحرفة إلى أن تبدو كما كانت قبل قرن كي تظل حيّة. إنها تحتاج إلى أشخاص قادرين على حملها إلى المستقبل، ويملكون حرية تقرير ما الذي سيتغيّر فيها بعد ذلك.